ابراهيم بن عمر البقاعي

63

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم ، ذكر أن الكل فعلوا بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب ، فقال ممتنا على بني إسرائيل ومبشرا للعرب : وَجَعَلْناهُ أي كتاب موسى عليه السّلام جعلا يليق بعظمتنا هُدىً أي بيانا عظيما لِبَنِي إِسْرائِيلَ وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا ، مع ما في طبع الإنسان من اتباع الهوى أَئِمَّةً يَهْدُونَ أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه بِأَمْرِنا أي بما أنزلنا فيه من الأوامر ؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله : لَمَّا صَبَرُوا أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة والكسائي بالكسر والتخفيف - أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراءة الباقين بالفتح والتشديد ، وإن كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق اللّه لهم وَكانُوا بِآياتِنا لما لها من العظمة يُوقِنُونَ * لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه بالإعراض ، وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 25 إلى 27 ] إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 25 ) أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ( 26 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ( 27 ) . ولما أفهم قوله « منهم » أنه كان منهم من يضل عن أمر اللّه ويصد عنه ، جاء قوله تسلية للمؤمنين وتوعدا للكافرين ، استئنافا مؤكدا تنبيها لمن يظن أنه لا بعث ، ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك اليوم من المقام المحمود وغيره : إِنَّ رَبَّكَ أي المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ويعلي ما بك هُوَ أي وحده يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ أي من الهادين والمضلين والضالين يَوْمَ الْقِيامَةِ بالقضاء الحق ، فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد الظالم فِيما كانُوا جبلة ، طبعا فِيهِ أي خاصة يَخْتَلِفُونَ * أي يجددون الاختلاف فيه على سبيل الاستمرار حسب ما طبعوا عليه ، لا يخفى عليه شيء منه ، وأما غير ما اختلفوا فيه فالحكم فيه لهم أو عليهم لا بينهم ، وما اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو . ولما كان قد تقدم عن الكفار في هذه السورة قولان : أحدهما في التكذيب بالقرآن ، والثاني في إنكار البعث ، ودل سبحانه على فسادهما إلى أن ختم بذكر الآيات والبعث والفصل بين المحق والمبطل ، أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين على القولين ، وختمت آية كل منهما بآخر ، فتصير الاستفهامات أربعة ، وفي مدخول الأول الفصل بين