ابراهيم بن عمر البقاعي

64

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الفريقين في الدنيا ، فقال مهددا : أَ وَلَمْ أي أيقولون عنادا لرسولنا : افتراه ولم يَهْدِ أي يبين - كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا أي كثرة من أهلكناه . ولما كان قرب شيء في الزمان أو المكان أدل ، بين قربهم بإدخال الجار فقال : مِنْ قَبْلِهِمْ أي لأجل معاندة الرسل مِنَ الْقُرُونِ الماضين من المعرضين عن الآيات ، ونجينا من آمن بها ، وربما كان قرب المكان منزلا منزلة قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار ، والتردد خلال الديار . ولما كان انهماكهم في الدنيا الزائلة قد شغلهم عن التفكر فيما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال ، أشار إلى ذلك بتصوير اطلاعهم على ما لهم من الأحوال ، بقوله : يَمْشُونَ أي إنهم ليسوا بأهل للتفكر إلا حال المشي فِي مَسْكَنِهِمْ لشدة ارتباطهم مع المحسوسات ، وذلك كمساكن عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم . ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة ، قال منبها عليه مؤكدا تنبيها على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر : إِنَّ فِي ذلِكَ أي الأمر العظيم لَآياتٍ أي دلالات ظاهرات جدا ، مرئيات في الديار وغيرها من الآثار ، ومسموعات في الأخبار . ولما كان السماع هو الركن الأعظم ، وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع ، قال منكرا : أَ فَلا يَسْمَعُونَ * أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغيّ إلى غير سماعها ، فإن لم يرجع فهو ممن لا سمع له أَ وَلَمْ أي أيقولون في إنكار البعث : إذا ضللنا في الأرض ، ولم يَرَوْا أَنَّا بما لنا من العظمة نَسُوقُ الْماءَ من السماء أو الأرض إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي التي جرز نباتها أي قطع باليبس والتهشم ، أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها ، وفي البخاري عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : إنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا ، قالوا : ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ : جزر ، ويدل عليه قوله : فَنُخْرِجُ بِهِ من أعماق الأرض زَرْعاً أي نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب الذي كان زرعا قبل هذا ، وأشار إلى أنه حقيقة ، لا مرية فيه ، وليس هو بتخييل كما تفعل السحرة ، بقوله مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد : تَأْكُلُ مِنْهُ أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه أَنْعامُهُمْ وقدمها لموقع الامتنان بها لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم ، ولأن السياق لمطلق إخراج الزرع ، وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس ، فإن السياق لطعام الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ [ عبس : 24 ] ثم