ابراهيم بن عمر البقاعي
484
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
استجاب بحمده ، وأناب بلطفه ، وجريا على حكم سبقية الرحمة وتغليبها ، ثم قال شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ ليأخذ المؤمن بلازم عبوديته من الخوف والرجاء ، واكتنف قوله شَدِيدِ الْعِقابِ بقوله غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ وقوله ذِي الطَّوْلِ وأشار سبحانه بقوله - فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ - إلى قوله قبل وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ وكأنه في تقدير : إذا كانت العاقبة لك ولأتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد ، ثم بين تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم ، وجدالهم في الآيات كجدالهم ، وأن ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب ، وسبق لهم في أم الكتاب - انتهى . ولما تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين ، فكان ذلك ربما أيأس من تلبس بكفر من الفلاح ، وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن ، وكان الغفران - وهو محو الذنب عينا وأثرا - مترتبا على العلم به ، وكان التمكن من الغفران وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة ، دل عليهما مستعطفا لكل عاص ومقصر بقوله : غافِرِ الذَّنْبِ أي بتوبة وغير توبة إن شاء ، وهذا الوصف له دائما فهو معرفة . قال السمين : نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة ، ولم يستثن الكوفيون شيئا . ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك ، وكان المشركون يقولون : قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل رجوعنا فلا فائدة لنا في إسلامنا ، رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف بالواو الدالة على تمكن الوصف إعلاما بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال : وَقابِلِ التَّوْبِ وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس كأخواته أنسب من جعله بينها جمعا كتمر وتمرة . ولما كان الاقتصار على الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته ، فقال معريا عن الواو لئلا يؤنس ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن ، وذلك إعلاما بخفي لطفه في أن رحمته سبقت غضبه ، وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة لأهلك كل من عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ [ النحل : 61 ] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ : شَدِيدِ الْعِقابِ * على أن تنكيره وإبهامه - كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر ، لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو أوتي بها . ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ ، أتبعه التشويق إلى الفضل ، فقال معريا عن الواو لأن المقام لا يقتضي المبالغة ، والحذف غير مخل بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه : ذِي الطَّوْلِ أي سعة الفضل والإنعام والقدرة