ابراهيم بن عمر البقاعي

485

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

والغنى والسعة والمنة ، لا يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه ، ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك بوحدانيته فقال : لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ولما أنتج هذا كله تفرده ، أنتج قطعا قوله : إِلَيْهِ أي وحده الْمَصِيرُ * أي في المعنى في الدنيا ، وفي الحس والمعنى في الآخرة ، ليظهر كل من هذه الصفات ظهورا تاما ، بحيث لا يبقى في شيء من ذلك لبس ، فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في عزة من غير نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه ، لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن يكون بين عبيده . ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جوابا لما يعرض لهم من الشبه ، فدل بإزاحته كل علة على ما وصف سبحانه به نفسه المقدس من العزة والعلم بيانا لا خفاء في شيء منه ، أنتج قوله ذما لمن يريد إبطاله وإخفاءه : ما يُجادِلُ أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى مراده فِي آياتِ وأظهر موضع الإضمار تعظيما للآيات فقال : اللَّهِ أي في إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه المصير ، بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها ، أو غيره بالتشكيك له ، أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أي غطوا مرائي عقولهم وأنوار بصائرهم لبسا على أنفسهم وتلبيسا على غيرهم . ولما ثبت أن الحشر لابد منه ، وأن اللّه تعالى قادر كل قدرة لأنه لا شريك له وهو محيط بجميع أوصاف الكمال ، تسبب عن ذلك قوله : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ أي تنقلهم بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم فِي الْبِلادِ * فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة ، فتظن لإمهالنا إياهم أنهم على حق ، أو أن أحدا يحميهم علينا ، فلابد من صيرورتهم عن قريب إلينا صاغرين داخرين ، وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 5 إلى 7 ] كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ ( 5 ) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ ( 6 ) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ( 7 ) . ولما نهى عن الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه عن نفسه إلا بتأييد من اللّه ، علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون معتمدا ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين ، فقال مشيرا بتأنيث الفعل إلى ضعفهم عن المقاومة ،