ابراهيم بن عمر البقاعي

430

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

حِسابٍ * أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه ، وذلك لأن الجزاء من جنس العمل ، وكل عمل يمكن عده وحصره إلا الصبر فإنه دائم مع الأنفاس ، وهو معنى من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره ، وتتعاظم آثاره ، بحسب الهمم في علوها وسفولها ، وسموها ونزولها ، ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل صبره بما أشارت إليه لام الكمال - لم يكن عليه حساب ، لما رواه البزار وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : جاءت امرأة بها لمم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت : يا رسول اللّه ، ادع اللّه لي ، قال : إن شئت دعوت اللّه فشفاك ، وإن شئت صبرت ولا حساب عليك ، قالت : بل أصبر ولا حساب علي « 1 » . ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده بالرئيس لتأتسي به ، وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من الشوائب وحماها من الحظوظ والعوائق ، وصانها من الفتور والشواغل ، أمره بما يرغبهم في المجاهدة ، ويكشف لهم عن حلاوة الصبر ، بقوله : قُلْ ولما كان الرئيس لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد قوله : إِنِّي أُمِرْتُ وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيما للأمر بأنه قطع ومضى بحيث لم يبق فيه مشوبة ، وأقام مقام الفاعل دليلا على أنه العمدة للحث على لزومه قوله : أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ أي الذي الخلق كلهم سواء بالنسبة إلى قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أي العبادة التي يرجى منه الجزاء عليها . ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق النفوس إليه ، وأوجب عليها العكوف عليه قال : وَأُمِرْتُ أي ، وقع الأمر لي وانبرم بأوامر عظيمة وراء ما أمرتم به لا تطيقونها لِأَنْ أي لأجل أن أَكُونَ في وقتي وفي شرعي أَوَّلَ أي أعظم الْمُسْلِمِينَ * أي المنقادين في الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني ، فجهة هذا الفعل غير جهة الأول ، فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق ، والأول لمطلق الإخلاص في العبادة . ولما كان ما أمر به مفهما لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب ، وكان ربما ظن أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى ، وكان تكرير الأمر بإبلاغ المأمورين

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 441 وابن حبان 2909 والبزار 772 والحاكم 4 / 218 والبغوي 1424 عن أبي هريرة بإسناد حسن وأخرجه البخاري 5652 وأحمد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .