ابراهيم بن عمر البقاعي

431

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أوقع في قلوبهم وأشد إقبالا بنفوسهم قال تعالى : قُلْ أي لأمتك ، وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - قوله : إِنِّي أَخافُ أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصا في إجلاله وإعظامه وفعلا لما على العبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة ، ولما كان وصف الإحسان ربما جرا على العصيان ، بين أنه لا يكون ذلك إلا لعادم العرفان فقال : إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي أي المحسن إليّ المربي لي بكل جميل فتركت الإخلاص له عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * وإذا كان اليوم عظيما ، فكيف يكون عذابه . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 14 إلى 19 ] قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) ولما بين ما أمر به ، وأعلم أنه يخاف من مخالفة الأمر له بذلك فأفهم أنه ممتثل لما أمر به ، أمره سبحانه بأن يصرح بذلك لأن للتصريح من المزية ما لا يخفى فقال : قُلِ اللَّهَ أي المحيط بصفات الكمال وحده أَعْبُدُ تخصيصا له بذلك ، لا أنحو أصلا بالعبادة نحو غيره أبدا مُخْلِصاً لَهُ وحده دِينِي * أي امتثالا لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلا لا طلبا لجنّة ولا خوفا من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر ، فصارت عبادتي لأجل وجهه وكونه مستحقا للعبادة خاصة شوقا إليه وحبا له وحياء منه ، وأما الرغبة فيما عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي هو عند الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي لأجل إعطاء المقام حقه من ذل العبودية وعز الربوبية . ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم يعلمون أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أقواهم قلبا وأصفاهم لبا ، وأجرأهم نفسا وأصدقهم إقداما وأشجعهم عشيرة وحزبا ، كان خوف غيره من باب الأولى ، فسبب عنه تهديدهم أعظم تهديد بقوله : فَاعْبُدُوا أي أنتم أيها الداعون له في وقت الضراء المعرضون عنه في وقت الرخاء ما شِئْتُمْ أي من جماد أو غيره . ونبّه على سفول رتبة كل شيء بالنسبة إليه سبحانه تسفيها لمن يلتفت إلى سواه بقوله : مِنْ دُونِهِ فإن عبادة ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه ، ولا إحسان إلا إحسانه ، فإذا انقطع حصل كل سوء ، وفي ذلك جميع الخسارة .