ابراهيم بن عمر البقاعي

403

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إحسان إليه وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك ، ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام اللّه كما في قوله قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [ البقرة : 97 ] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال : رَبُّكَ أي المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر ، وهو كل ما يمكن أن تحتاج إليه لِلْمَلائِكَةِ وهم الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان إذ ذاك معهم وفي عدادهم . ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من اللّه كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد ، فكانوا يبعدون أن يخلق سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه ، أكد لهم سبحانه قوله : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم للّه تعالى التي أشار إليها بالاختصام ، وبين أصله بقوله معلقا بخالق أو بوصف بشر : مِنْ طِينٍ * اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب « لو لم تذنبوا فتسغفروا لجاء اللّه بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم » قال القشيري : وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السّلام لأنه خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة ، ولم يقل في صفة شيء منها ما قال في صفة آدم عليه السّلام وأولاده ، ولم يأمر بالسجود لشيء غيره . ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل ، سبب عنه قوله : فَإِذا سَوَّيْتُهُ أي هيأته بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما يترتب عليه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار حساسا متنفسا ، شبه سبحانه إفاضته الروح بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران ، وغير ذلك من التحريك والإسكان ، والزيادة والنقصان ، وأضافه سبحانه إليه تشريفا له ، فَقَعُوا لَهُ أي خاصة ساجِدِينَ * أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا هو بغاية ما يكون من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار ، ففعلوا ما أمرهم به سبحانه من غير توقف ، ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال : فَسَجَدَ أي عندما نفخ فيه الروح الْمَلائِكَةُ على ما أمرهم اللّه ، ولما كان إسناد الخبر إلى الجمع قد يراد به أكثرهم ، أكد بقوله : كُلُّهُمْ إرادة لرفع المجاز . ولما كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم لضعف أو نحوه ، رفع