ابراهيم بن عمر البقاعي

337

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

التوراة ، وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من البيان وما دعت إليه من الاستقامة في غاية من الضلال تكاد أن لا يصدق مثلها ، أشار إلى الزيغ عنه بيانا لأن القلوب بيده سبحانه فقال مؤكدا : وَإِنَّ إِلْياسَ أي الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة ، وهو من سبط لاوي ، ومن أولاد هارون عليه السّلام ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هو عم اليسع عليهم السّلام ، وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ونواحيها ، فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه بالأوصاف الملكية ، ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق في علم اللّه أنه ييأس ممن يدعوهم إلى اللّه فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كما رواه الشيخان : البخاري في الرقاق والطب ، ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان ، والنبي ليس معه أحد « 1 » ، فجعل سبحانه اسمه مناسبا لأمره في قومه بيأسه منهم حين فر إلى الجبال من شرهم ، ويأسهم من القدرة على قتله ، فإنهم اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم ، وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء ، وإن قال العلماء كما حكاه السمين في إعرابه : إن ذلك من تلاعب العرب بالأسماء العجمية ، قطعوا همزته تارة ووصلوها أخرى ، يعني فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ أي إلى من بدل أمر التوراة ونابذ ما دعت إليه إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ منكرا عليهم ما من حقه الإنكار بقوله : أَ لا تَتَّقُونَ * أي يوجد منكم تقوى وخوف ، فإن ما أنتم عليه يقتضي شرا طويلا ، وعذابا وبيلا ، وما أنتم عليه من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلا ، وذلك غاية الجهل والاغترار بمن تعلمون أنه لا خالق لكم ولا رازق غيره . ولما كان هذا الإنكار سببا للإصغاء ، كرره مفصحا بسببه فقال : أَ تَدْعُونَ بَعْلًا أي إلها وربا ، وهو صنم كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه ، فكان الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة ، والسدنة يحفظونها ، وهم أربعمائة ويعلمونها الناس ، ويحتمل أن يكون علما على الصنم المذكور فيكون المفعول الثاني منويا ، وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاء يشبهه وهو الدعاء بالإلهية ، ومن قرأ شاذا « بعلاء » بوزن « حمراء » فهو إشارة إلى كثرة حث امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السّلام ، وطاعة زوجها لها في ذلك - كما حكاه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 3410 ومسلم 220 وأحمد 1 / 271 وابن حبان 6430 وابن منده في الإيمان 983 والبغوي 4322 عن ابن عباس رضي اللّه عنهما .