ابراهيم بن عمر البقاعي
338
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
البغوي ، فاستحق التأنيث لذلك ، فأنث لكثرة ملابستها له ، والجنسية علة الصنم . ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه بقوله : وَتَذَرُونَ ومادة « وذر » تدور على ما يكره ، فالمعنى : وتتركون ترك المهمل الذي من شأنه أن يزهد فيه ، ولو قيل : وتدعون - تهافتا على الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد . ولما كان الداعي لا يدعو إلا بكشف ضر أو إلباس نفع ، فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء وإيجاد ما يريد ، قال منبها لهم على غلطهم في الفعل والترك : أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا تعبدونه . ولما كان الإنسان يعلم يقينا أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من العدم ولا بما بعده ، وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان ، قال مبينا لمن أراد مذكرا لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم ، ويوادون من كان يوادهم بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخما للأمر ومعظما بالإبدال ويجعل البدل اسم الجلالة في قراءة النصب ، وزائدا في التعظيم بالقطع بالابتداء في قراءة الجماعة بالرفع : اللَّهَ فذكر بالاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات تنبيها على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به رَبَّكُمْ أي المحسن إليكم وحده . ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم غباوة منهم أو عنادا قال : وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * أي الذين هم أول لكم ، فشمل ذلك آباءهم الأقربين ، ومن قبلهم إلى آدم عليه السّلام . ولما كان من أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية ، سبب عن دعائه قوله : فَكَذَّبُوهُ ولما كانت الترجية مستبعدة ، سبب عن التكذيب قوله مؤكدا لأجل تكذيبهم : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * أي مقهورون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى والأكبر ، وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا إِلَّا عِبادَ اللَّهِ أي الذين علموا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علموا فلم يدعوا غيره فإنهم لم يكذبوا ؛ ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى الاسم الأعظم فقال : الْمُخْلَصِينَ * أي لعبادته فلم يشركوا به شيئا جليا ولا خفيا ، فإنهم ناجون من العذاب . ولما جاهد في اللّه تعالى وقام بما يجب عليه من حسن الثناء ، جازاه سبحانه فقال عاطفا على « فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ » وَتَرَكْنا عَلَيْهِ أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره : فِي الْآخِرِينَ * أي كل من كان بعده إلى يوم الدين . ولما كان السّلام اسما جامعا لكل خير لأنه إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد ، أنتج ذلك قوله : سَلامٌ ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداها توافق