ابراهيم بن عمر البقاعي
336
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فرعون وغيره فَكانُوا هُمُ أي خاصة الْغالِبِينَ * أي على كل من يسومهم سوء العذاب ، وهو فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم ، فاحذروا يا معشر قريش والعرب من مثل ذلك ، ولقد كان ما حذرهم منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أعظم ما يمكن أن يكون إلا أن نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم لما كان نبي الرحمة لين اللّه قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته ، فصاروا به ملوك الدنيا والآخرة . ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال : وَآتَيْناهُمَا أي بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ * أي الجامع البين الذي هو لشدة بيانه طالب لأن يكون بينا وهو كذلك فإنه ليس شيء من الكتب مثل التوراة في سهولة مأخذها ، وجمع هارون عليه السّلام معه في الضمير لأنه مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه وإن كان نزوله خاصا بموسى عليه السّلام : وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ أي الطريق الواضح في الإيصال إلى المقصود الْمُسْتَقِيمَ * أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه طالب لأن يكون قويما ، فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلا ، ولذلك هو شرائع الدين القيم . ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم العالية والعزائم الوافية هو الشرف قال : وَتَرَكْنا عَلَيْهِما أي ما تعرفون من الثناء الحسن فِي الْآخِرِينَ * أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين . ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف والسؤدد أمرا عظيما ، كانت نتيجته : سَلامٌ أي عظيم عَلى مُوسى صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة وَهارُونَ * وزيره وأخيه . ولما كان نصر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمن معه من الضعفاء على قريش وسائر العرب عند قريش في غاية البعد ، وكان التقدير : فعلنا معهما ذلك لإحسانهما ، علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد فقال : إِنَّا كَذلِكَ أي مثل هذا الجزاء نَجْزِي أي دائما في كل عصر الْمُحْسِنِينَ * أي العريقين في هذا الوصف ؛ ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ترغيبا في مضمونه ، وتكذيبا لمن يقول : إن المؤمنين لا ينصرون ، بقوله : إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا أي الذين محضوا العبودية والخضوع لنا الْمُؤْمِنِينَ * أي الثابتين في وصف الإيمان . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 123 إلى 130 ] وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَ لا تَتَّقُونَ ( 124 ) أَ تَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ ( 125 ) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ( 126 ) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ( 127 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 128 ) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ( 129 ) سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ ( 130 ) ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما درس من أحكام