ابراهيم بن عمر البقاعي
324
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فَقالَ منكرا عليها متهكما بها ظاهرا وموبخا لقومه حقيقة : أَ لا تَأْكُلُونَ * ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها فقال : ما أي أيّ شيء حصل لَكُمْ في أنكم لا تَنْطِقُونَ * . ولما أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطنا من الحجة فقال : فَراغَ أي سبب عن إقامته الحجة أنه أقبل مستعليا عَلَيْهِمْ بغاية النشاط والخفة والرشاقة يضربهم ضَرْباً بِالْيَمِينِ * أي بغاية القوة ، وجعل السياق للمصدر إشارة إلى قوة الهمة بحيث صار كله ضربا . ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ظنوا فيه لما كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدنها فأتوه ، أخبر عن ذلك بقوله مسببا : فَأَقْبَلُوا ودل على أنه من مكان بعيد بقوله : إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * أي يسرعون ، وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع لدلالتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملا يحملهم فيها على الإسراع وقاهرا يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد . ولما كان من المعلوم أنهم كلموه في ذلك فطال كلامهم ، وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر ، استأنف الخبر عنه في قوله : قالَ غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكرا عليهم : أَ تَعْبُدُونَ وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى اللّه ، وعبر بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال : ما تَنْحِتُونَ * أي إن كانت العبادة تحق لأحد غير اللّه فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم . ولما كان المتفرد بالنعمة هو المستحق للعبادة ، وكان الإيجاد من أعظم النعم ، وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما صارت إليه من الشكل ، قال تعالى مبينا أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي ، وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا مدخل لها في العبادة : وَاللَّهُ أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء له خَلَقَكُمْ أي أوجدكم على هذه الأشكال وَما تَعْمَلُونَ * أي وخلق عملكم ومعمولكم ، فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني ، ومعلوم أنه لا يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 97 إلى 101 ] قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ( 97 ) فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ ( 98 ) وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ( 100 ) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ( 101 ) ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا يجيبوه بشيء ، فتشوف إلى ذلك ، أجيب بقوله : قالُوا ابْنُوا لَهُ أي لأجله بُنْياناً أي من الأحطاب حتى تصير كالجبل