ابراهيم بن عمر البقاعي
325
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
العظيم ، فأحرقوها حتى يشتد لهبها جدا فيصير جحيما فَأَلْقُوهُ فِي ذلك الْجَحِيمِ * أي معظم النار ، وهي على أشد ما يكون إيقادا . ولما كان هذا مسببا عن إرادتهم لإهانته قال : فَأَرادُوا بِهِ أي إبراهيم عليه السّلام بسبب هذا الذي عملوه كَيْداً أي تدبيرا يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر من عجزهم دينهم فَجَعَلْناهُمُ أي بعظمتنا بسبب عملهم الْأَسْفَلِينَ * المقهورين بما أبطلنا من نارهم وجعلناها عليه بردا وسلاما بضد عادتها في العمل ، فنفذ عملنا وهو خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة ، فظهر عجزهم في فعلهم كما ظهر عجزهم في قولهم ، بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه السّلام ، وظهرت قدرتنا واختيارنا ، وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف ، فكل هذه المعاني - كما ترى - تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي . ولما كان التقدير : فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد ، عطف عليه قوله : وَقالَ أي إبراهيم عليه السّلام لمن يتوسم فيه أن كلامه يحييه من موت الجهل مؤكدا لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به : إِنِّي ذاهِبٌ أي مهاجر من غير تردد ، قالوا : وهو أول من هاجر من الخلق إِلى رَبِّي أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إليّ بالهجرة إليه ، فلا يحجر عليّ أحد في عبادته فيه . ولما كان حال سامعه جديرا بأن يقول : من لك بالمعرفة بما يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضع وبما تفعل فيه مما يكون به الصلاح ، وما تفعل في التوصل إليه ؟ قال : سَيَهْدِينِ * أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها ، وهو لا يأمر بشيء إلا نصب عليه دليلا يهدي إليه ، ويسهل لقاصده المجتهد في أمره سبيله ، وقد اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية ، فهذه العبارة عن أمر الخليل عليه السّلام ، وعبر عن أمر الكليم عليه السّلام بقوله وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا [ الأعراف : 143 ] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات : إبراهيم عليه السّلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعد ما كان فيه من الجمع حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى اللّه رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ذلك - وموسى عليه السّلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه قولا ، ثم أخبر أنه قال رَبِّ أَرِنِي * فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا هو الفناء ، ونبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بعين جمع الجمع - لأنه لم ينسب إليه قول ولا فعل ، بل هو المراد إلى أن قال لِنُرِيَهُ