ابراهيم بن عمر البقاعي
283
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو قادر على تطويع الأشياء لنفسه ، ثم سبب عن ذلك قوله : فَمِنْها رَكُوبُهُمْ أي ما يركبون ، وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ، ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه أعاد الجار ، وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه لذلك ثابت دائم فقال : وَمِنْها يَأْكُلُونَ * . ولما أشار إلى عظمة نفع الركوب والأكل بتقديم الجار ، وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة ، قال : وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك ، وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه ، فقال جامعا له لاختلاف طعوم ألبان الأنواع الثلاثة ، وكأنه عبر بمنتهى الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع الواحد لمن تأمل وَمَشارِبُ أي من الألبان ، أخرجناها مميزة عن الفرث والدم خالصة لذيذة ، وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به ، فلم يكن بد من كونه على وفق ما أردنا ، فليحذر من هو أضعف حالا منها من حقوق أمرنا ومضي حكمنا بما يسوءه . ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان ، لو فقده الإنسان لتكدرت معيشته ، سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن طاعته بقوله : أَ فَلا يَشْكُرُونَ * أي يوقعون الشكر ، وهو تعظيم المنعم لما أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 74 إلى 76 ] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ( 74 ) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ( 75 ) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 76 ) ولما ذكرهم نعمه ، وحذرهم نقمه ، عجب منهم في سفول نظرهم وقبح أثرهم ، فقال موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه : وَاتَّخَذُوا أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا ، أو يكون معطوفا على « كانُوا » من قوله : إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فيكون التقدير : إلا كانوا يجددون الاستهزاء ، واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقلبوا فيه من نعمتنا : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الذي له جميع العظمة ، فكل شيء دونه ، وما كان دونه كان مقهورا مربوبا آلِهَةً أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية . ولما تقرر أنها غير صالحة لما أهلوها له ، تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ذلك ، فقال جوابا له تعجيبا من حالهم : لَعَلَّهُمْ أي العابدين . ولما كان مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان ، بني للمفعول قوله : يُنْصَرُونَ * أي ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من يعاديه ويعانده ويناويه .