ابراهيم بن عمر البقاعي

284

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان للنصر سببان : ظاهري وهو الاجتماع ، وأصلي باطني وهو الإله المجتمع عليه ، بين غلطهم بتضييع الأمل ، فقال مستأنفا في جواب من كأنه قال : فهل بلغوا ما أرادوا ؟ : لا يَسْتَطِيعُونَ أي الآلهة المتخذة نَصْرَهُمْ أي العابدين وَهُمْ أي العابدون لَهُمْ أي الآلهة جُنْدٌ ولما كان الجند مشتركا بين العسكر والأعوان والمدينة ، عين المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال : مُحْضَرُونَ * أي يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرها إيالة الملك وسياسة العظمة ، فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة ، فلو جمعوا أنفسهم على اللّه لكان لهم ذلك ، وحازوا معه السبب الأعظم . ولما بين ما بين من قدرته الباهرة ، وعظمته الظاهرة ، وو هي أمرهم في الدنيا والآخرة ، وكان قد تقدم ما لوح إلى أنهم نسبوه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الشعر ، وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم للمؤمنين من تسفيههم وتضليلهم ، سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم : فَلا يَحْزُنْكَ قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الزاي ، ومعناه : يجعل فيك ، وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على أن المنهي عنه إنما هو كثرة الحزن والاستغراق فيه ، لا ما يعرض من طبع البشر من أصله ، فإن معنى أحزن فلانا كذا ، أي جعله حزينا قَوْلُهُمْ أي الذي قدمناه تلويحا وتصريحا وغير ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر بما يعمل عدوه سببا لأخذه ، علل ذلك بقوله مهددا بمظهر العظمة : إِنَّا نَعْلَمُ ما أي كل ما يُسِرُّونَ أي يجددون إسراره وَما يُعْلِنُونَ * أي فنحن نجعل ما يسببونه لأذاك سببا لأذاهم ونفعك إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت قهرك وقدرتك . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 77 إلى 78 ] أَ وَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ( 77 ) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ( 78 ) ولما أثبت سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولا من التحويل من حال إلى أخرى ، فثبتت بذلك قدرته على البعث ، وختم بإحاطة العلم الملزوم لتمام القدرة ، أتبع ذلك دليلا أبين من الأول فقال عاطفا على أَ لَمْ يَرَوْا : أَ وَلَمْ يَرَ أي يعلم علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر . ولما كان هذا المثل الذي قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق ، أشار إلى غباوته بالتعبير بالإنسان الذي هو - وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب فيه سبحانه من