ابراهيم بن عمر البقاعي
282
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
جليل ، لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه موزونا ومكسورا ، وهكذا السجع سواء ، ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن الوزن ، بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية ، فإن أطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى ، والساجع قريب من ذلك ، فهذا هو الذي لم يعلمه اللّه له ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم تابع للمعاني والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة ، لأنه مهيأ بالطبع المستقيم لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف ، وإذا أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد ، فوضح أيّ وضوح بهذا أن كلّا منهما نقيصة ، فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها ، ولا يكون له بذلك شيء من الاعتناء ، وقد أشبعت الكلام في هذا وأتقنته في كتابي « مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور » وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب - واللّه الموفق للصواب . ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم ، وهدد بطمس أبصارهم ، ومسخهم على مقاعدهم وقرارهم ، وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم ، ذكرهم بقدرته وقررهم تثبيتا لذلك ببدائع صنعته ، فقال عاطفا على ما تقديره : ألم يروا ما قدمناه وأفهمته آية وَمَنْ نُعَمِّرْهُ وما بعدها من بدائع صنعنا تلويحا وتصريحا الدال على علمنا الشامل وقدرتنا التامة ، فمهما صوبنا كلامنا إليه حق القول عليه ولم يمنعه مانع ، ولا يتصور له دافع أَ وَلَمْ يَرَوْا أي يعلموا علما هو كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في أجل أموالهم ، ولا يبعد عندي وإن طال المدى - أن يكون معطوفا على قوله : أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير من النقم ، وهذا بالتذكير بالنعم ، ونبههم على ما في ذلك من العظمة بسوق الكلام في مظهرها كما فعل في آية إهلاك القرون فقال : أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ وخصها بنفسه الشريفة محوا للأسباب وإظهارا لتشريفهم بتشريفها في قوله : مِمَّا عَمِلَتْ . ولما كان الإنسان مقيدا بالوهم لا ينفك عنه ، ولذلك يرى الأرواح في المنام في صور أجسادها ، وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه ، عبر له بما يفهمه فقال : أَيْدِينا أي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها وغير ذلك من أمورها أَنْعاماً ثم بين كونها لهم بما سبب عن خلقها من قوله : فَهُمْ لَها مالِكُونَ * أي ضابطون قاهرون من غير قدرة لهم على ذلك لولا قدرتنا بنوع التسبب . ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية ، قال تعالى : وَذَلَّلْناها لَهُمْ أي يسرنا قيادها ، ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر منها وأضعف ، فمن قدر على تذليل