ابراهيم بن عمر البقاعي
253
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وكل ما يأمرونكم به ؛ ثم نبههم على الداعي إلى اتباعهم والمانع من الإعراض عنهم بقوله ، معيدا الفعل دلالة على شدة اهتمامه به : اتَّبِعُوا أي بغاية جهدكم مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أي في حال من الأحوال أَجْراً ولما كان أفرد الضمير نظرا إلى لفظ « من » دلالة على وجوب الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على الرسالة وإن كان واحدا ، جمع بيانا للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في الصيانة والبعد عن الدنس ، الدال على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق فقال : وَهُمْ مُهْتَدُونَ * أي ثابت لهم الاهتداء لا يزايلهم ، ما قصدوا شيئا إلا أصابوا وجه صوابه ، فتفوزوا بالدين الموجب للفوز بالآخرة ، ولا يفوتكم شيء من الدنيا ، فأتى بمجامع الترغيب في هذا الكلام الوجيز . ولما أفهم السياق أنه قال : فإني اتبعتهم في عبادة اللّه ، بنى عليه قوله جوابا لمن يلومه على ذلك وترغيبا فيما اختاره لنفسه وتوبيخا لمن يأباه : وَما أي وأيّ شيء لِيَ في أني لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي أي وإليه أرجع ، فله مبدئي ومعادي ، وما لكم لا تعبدون الذي فطركم وَإِلَيْهِ أي لا إلى غيره تُرْجَعُونَ * كذلك ، فهو يستحق العبادة شكرا لما أنعم به في الابتداء ، وخوفا من عاقبته في الانتهاء ، فالآية من الاحتباك : حذف « وإليه أرجع » أولا لما دل عليه ثانيا ، وإنكاره عليهم ثانيا بما دل عليه أولا من إنكاره على نفسه استجلابا لهم بإظهار الإنصاف ، والبعد عن التصريح بالخلاف ، وفيه تنبيه لهم على موجب الشكر ، وتهديد على ارتكاب الكفر . ولما أمر صريحا ونهى تلويحا ، ورغب ورهب ، ووبخ وقرع ، وبين جلالة من آمن به ومن كانوا سببا في ذلك ، أنكر على من يفعل غيره بالإنكار على نفسه ، محقرا لمن عبدوه من دون اللّه وهم غارقون في نعمه ، فقال مشيرا بصيغة الافتعال إلى أن في ذلك مخالفة للفطرة الأولى : أَ أَتَّخِذُ وبين علو رتبته سبحانه بقوله : مِنْ دُونِهِ أي سواء مع دنو المنزلة ؛ وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال : آلِهَةً ثم حقق ذلك بقوله مبينا بأداة الشك أن النفع أكثر من الضر ترغيبا فيه سبحانه : إِنْ يُرِدْنِ إرادة خفيفة بما أشار إليه حذف الياء ، أو شديدة بما أشار إليه إثباتها ، ظاهرة بما دل عليه تحريكها ، أو خفية بما نبه عليه إسكانها . ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له إرشادا إلى أنهم كذلك ، صرح بما يعمهم فقال : الرَّحْمنُ أي العام النعمة على كل مخلوق من العابد والمعبود ، وحذرهم بقوله : بِضُرٍّ وأبطل أنهى ما يعتقدونه فيها بقوله : لا تُغْنِ عَنِّي أي وكل أحد مثلي في هذا شَفاعَتُهُمْ أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد شَيْئاً من إغناء . ولما دل بإفراد الشفاعة على عدهم عدما ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في آن