ابراهيم بن عمر البقاعي

254

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

واحد ، دل بضمير الجمع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين فقال : وَلا يُنْقِذُونِ * أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة بما أراده فإنه بمجرد إرادته يكون مراده ، إنفاذا ضعيفا - بما أشار إليه من حذف الياء ، ولا شديدا - بما دل عليه من أثبتها ظاهرا خفيا ، ثم استأنف ما يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكدا له بأنواع التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم : إِنِّي إِذاً أي إذا فعلت ذلك الاتخاذ لَفِي ضَلالٍ أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء مُبِينٍ * أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفا له ، موضح لكل ناظر ما هو فيه من الظلام . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 25 إلى 29 ] إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ( 25 ) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ( 29 ) ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة ، صرح بما لوح إليه من إيمانه ، فقال مظهرا لسروره بالتأكيد وقاطعا لما يظنونه من أنه لا يجترىء على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين : إِنِّي آمَنْتُ أي أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمنا لهم من أن أدخل عليهم نوع تشويش من تكذيب أو غيره . ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحا ، صرح لهم بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية فقال : بِرَبِّكُمْ أي بسبب الذي لا إحسان عندكم إلا منه قد نسيتم ما له لديكم من الربوبية والرحمانية والإبداع ، وزاد في مصارحتهم إظهارا لعدم المبالاة بهم بقوله : فَاسْمَعُونِ أي سماعا إن شئتم أشعتموه ، وإن شئتم كتمتموه - بما دل عليه حذف الياء وإثباتها ، فلا تقولوا بعد ذلك : ما سمعناه ، ولو سمعناه لفعلنا به . فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه ، وقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة بن مسعود الثقفي حيث بادي قومه الإسلام ، ونادى على عليته بالأذان ، فرموه بالسهام فقتلوه « 1 » . ولما كان من المعلوم - بما دل عليه من صلابتهم في تكذيبهم الرسل وتهديدهم مع ما لهم من الآيات - أنهم لا يبقون هذا الذي هو من مدينتهم وقد صارحهم بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم ، لم يذكره تعالى عدّا له عداد ما لا يحتاج إلى ذكره ، وقال جوابا لمن تشوف إلى علم حاله بعد ذلك بقوله إيجازا في البيان ترغيبا

--> ( 1 ) ذكره ابن حجر في الإصابة 2 / 477 / 5526 في ترجمة عروة بن مسعود وقال : رواه ابن إسحاق .