ابراهيم بن عمر البقاعي
226
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة ، نبه على ذلك بصيغة الافتعال فقال : وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ أي متوسط في العمل غير باذل لجميع الجهد إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر ، وهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ أي العبادات وجميع أنواع القربات ، موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا ، لا يكون سابقا إلا وهو هكذا ، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ، ويؤيد هذا قول الحسن : السابق من رجحت حسناته ، والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته ، والظالم من رجحت سيئاته . وختم بالسابقين لأنهم الخلاصة ، وليكونوا أقرب إلى الجنات ، كما قدم الصوامع في سورة الحج لتكون أقرب إلى الهدم وآخر المساجد لتقارب الذكر ، وقدم في التوبة السابقين عقيب أهل القربات من الأعراب وأخر المرجئين وعقبهم بأهل مسجد الضرار ، وقدم سبحانه في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى الذاكرين اللّه كثيرا ، فهو سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما يقتضيه الحال كما هو مذكور في هذا الكتاب في محاله ، وهذا على تقدير عود الضمير في مِنْهُمْ على الَّذِينَ لا على ( العباد ) وهو مع تأيده بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم هم التالون لكتاب اللّه مؤيد بأحاديث لا تقصر - وإن كانت ضعيفة - عن الصلاحية لتقوية ذلك ، فمنها ما رواه البغوي بسنده عن ابن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : سابقنا سابق ، ومقتصدنا ناج ، وظالمنا مغفور له « 1 » . وبسنده عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ هذه الآية وقال : أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا ، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة - ثم قرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ « 2 » . وروي بغير إسناد عن أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : كلهم من هذه الأمة « 3 » . وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر حديث عمر رضي اللّه عنه بغير سند : وروى
--> ( 1 ) ضعيف . أخرجه البغوي في تفسيره 3 / 493 من حديث عمر ، وفيه عمرو بن حصين متروك ، وذكره الذهبي في ترجمة الفضل بن موسى وعده من منكرات الفضل وقال : وعمرو تركوه . ( 2 ) ضعيف أخرجه أحمد 6 / 444 و 5 / 194 والحاكم 2 / 426 عن أبي الدرداء وفيه عنعنة الأعمش واضطرابه في اسم الرجل ، فقال مرة : عن أبي ثابت أو عن ثابت ومرة أسقطه فرواه عن أبي الدرداء ، ومرة قال عن رجل من ثقيف ! وأخرجه الحاكم عن عائشة من قولها 2 / 426 قالت : أما السابق فمن مضى في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فشهد له بالحياة والرزق ، وأما المقتصد فمن تبع آثارهم فعمل بأعمالهم حتى يلحق بهم ، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك ومن اتبعنا وكل في الجنة قال : صحيح ، وتعقبه الذهبي بقوله : الصلت قال النسائي : ليس بثقة ، وقال أحمد : ليس بالقوي . ( 3 ) الرواية لا تكون بغير إسناد وإنما يقال في ذلك : ذكره فلان أو علّقه ونحوه .