ابراهيم بن عمر البقاعي
20
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم لأنه أمره أولا بالمعروف ، وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإذا أمر نفسه ونهاها ، ناسب أن يأمر غيره ينهاه ، وهذا وإن كان من قول لقمان عليه السّلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به . ولما كان القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر ، لأنه يخالف المعظم فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما إن أمرهم ونهاهم ، قال تعالى : وَاصْبِرْ صبرا عظيما بحيث يكون مستعليا عَلى ما أي الذي ، وحقق بالماضي أنه لا بد من المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة ، فقال : أَصابَكَ أي في عبادتك من الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد أو لا كالمرض ونحوه ، وقد بدأ هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك الاستعانة وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [ البقرة : 45 ] واختلاف المخاطب في الموضعين أوجب اختلاف الترتيبين ، المخاطب هنا مؤمن متقلل ، وهناك كافر متكثر . ولما كان ما أحكمه له عظيم الجدوى ، وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال والتروك كلها ، نبهه على ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف إيماء إلى التبجيل : إِنَّ ذلِكَ أي الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما الصبر على المصائب : مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي معزوماتها ، تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر ، أي الأمور المقطوع بها المفروضة أو القاطعة الجازمة بجزم فاعلها ، أي التي هي أهل لأن يعزم عليها العازم ، وينحو إليها بكليته الجازم ، فلا مندوحة في تركها بوجه من الوجوه في ملة من الملل . ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر والنهي - لتصورهما بصورة الاستعلاء - الإعجاب الداعي إلى الكبر ، قال محذرا من ذلك معبرا عن الكبر بلازمه ، لأن نفي الأعم نفي للأخص ، منبها على أن المطلوب في الأمر والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور : وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ أي لا تمله متعمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن الحالة القاصدة ، وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي : تصاعر ، والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقا ، والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - واللّه أعلم . ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم ، أشار إلى المقصود بقوله تعالى : لِلنَّاسِ بلام العلة ، أي لا تفعل ذلك لأجل الإمالة عنهم ، وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر ، بل أقبل عليهم بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر