ابراهيم بن عمر البقاعي
21
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولا علو ، وأتبع ذلك ما يلزمه فقال : وَلا تَمْشِ ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر ، ذكره بأن أصله تراب ، وهو لا يقدر أن يعدوه فقال : فِي الْأَرْضِ وأوقع المصدر موقع الحال أو العلة فقال : مَرَحاً أي اختيالا وتبخترا ، أي لا تكن منك هذه الحقيقة لأن ذلك مشي أشر وبطر وتكبر ، فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي ، بل امش هونا فإن ذلك يفضي بك إلى التواضع ، فتصل إلى كل خير ، فترفق بك الأرض إذا صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها . ولما كانت غاية ذلك الرياء للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة عن بغضة اللّه تعالى ، علله بقوله مؤكدا لأن كثيرا من الناس يظن أن إسباغ النعم الدنيوية من محبة اللّه : إِنَّ اللَّهَ أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له لما له من العظمة المطلقة . ولما كان حب اللّه الذي يلزمه حب الناس محبوبا للنفوس ، وكان فوات المحبوب أشق على النفوس من وقوع المحذور ، وكانت « لا » لا تدخل إلا على المضارع المستقبل قال : لا يُحِبُّ أي فيما يستقبل من الزمان ، ولو قال « يبغض » لاحتمل التقييد بالحال ، ولما كان النشر المشوش أفصح لقرب الرجوع تدليا فيما ترقى فيه المقبل قال : كُلَّ مُخْتالٍ أي مراء للناس في مشيه تبخترا يرى له فضلا على الناس فيشمخ بأنفه ، وذلك فعل المرح فَخُورٍ يعدد مناقبه ، وذلك فعل المصعر ، لأن ذلك من الكبر الذي تردى به سبحانه وتعالى فمن نازعه إياه قصمه . [ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 19 إلى 20 ] وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ( 19 ) أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 20 ) ولما كان النهي عن ذلك أمرا بأضداده ، وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه الإنصاف في الكلام ، وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي والسر والجهر بالصوت فوق الحد ، قال محترسا في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب الحال الذميم : وَاقْصِدْ أي اعدل وتوسط فِي مَشْيِكَ لا إفراط ولا تفريط مجانبا لوثب الشطار ودبيب المتماوتين ، وعن ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب « 1 » اليهود ودبيب النصارى ، والقصد في الأفعال كالقسط في الأوزان - قاله الرازي في اللوامع ، وهو المشي الهون الذي ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ولا بتكبر وَاغْضُضْ أي انقص ، ولأجل ما
--> ( 1 ) الخبب : ضرب من العدو .