ابراهيم بن عمر البقاعي
119
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أبدا ، أو كمن زوجها غائب عنها وهو حي ، لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم حي في قبره : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ ذاكرا سبحانه الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصوده ومنبع الكمال ومداره . ولما كان الذين في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أكد قوله : إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ أي نكاحهن ، قال الحرالي في كتابه في أصول الفقه : تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت المرأة أي نكاحها ، والفرس أي ركوبه ، والخمر أي شربها ، ولحم الخنزير أي أكله ، والبحر أي ركوبه ، والثور أي الحرث به ، وكذلك كل شيء يختص بخاص مدلوله ، ولا يصرف عنه إلا بمشعر ، ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى . ولما كان المقصود من هذه السورة بيان مناقبه صلّى اللّه عليه وسلّم وما خصه اللّه به مما قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه وماله ، بين أنه مع ذلك لا يرضى إلا بالأكمل ، فبين أنه كان يعجل المهور ، ويوفي الأجور ، فقال : اللَّاتِي آتَيْتَ أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة ، وهي به صلّى اللّه عليه وسلّم أولى أو بالتسمية في العقد قال الكشاف : وكان التعجيل ديدن السلف وسنتهم وما لا يعرف بينهم غيره أُجُورَهُنَّ أي مهورهن لأنها عوض عن منفعة البضع ، وأصل الأجر الجزاء على العمل وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ . ولما كان حوز الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه قال : مِمَّا أَفاءَ أي رد اللَّهُ الذي له الأمر كله عَلَيْكَ مثل صفية بنت حيي النضرية وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية رضي اللّه عنهن مما كان في أيدي الكفار ، أسنده إليه سبحانه إفهاما لأنه فيء على وجهه الذي أحله اللّه لا خيانة فيه ، وعبر بالفيء الذي معناه الرجوع إفهاما لأن ما في يد الكافر ليس له ، وإنما هو لمن يستلبه منه من المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه الكافر منهم عن طيب نفس ، ومن هنا كان يعطي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يطلب منه من بلاد الكفار أو نسائهم ، وما أعطى أحدا شيئا إلا وصل إليه كتميم الداري وشويل رضي اللّه عنهما ، وقيد بذلك تنبيها على فضله صلّى اللّه عليه وسلّم ووقوعه من كل شيء على أفضله كما تقدمت الإشارة إليه ، وإشارة إلى أنه سبق في علم اللّه أنه لا يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله ، ودخل فيه ما أهدى له من الكفار مثل مارية القبطية أم ولده إبراهيم عليه السّلام ، وفي ذلك أيضا إشارة إلى ما خصه به من تحليل ما كان حظره على من كان قبله من الغنائم وَبَناتِ عَمِّكَ الشقيق وغيره من باب الأولى ، فإن النسب كلما بعد كان أجدر بالحل . ولما كان قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته وكونه