ابراهيم بن عمر البقاعي

120

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الأصل الذي تفرع منه هذا النوع ، عرف بجميع الإناث أن المراد به الجنس لئلا يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال : وَبَناتِ عَمَّاتِكَ من نساء بني عبد المطلب . ولما بدأ بالعمومة لشرفها ، أتبعها قوله : وَبَناتِ خالِكَ جاريا أيضا في الإفراد والجمع على ذلك النحو وَبَناتِ خالاتِكَ أي من نساء بني زهرة ويمكن أن يكون في ذلك احتباك عجيب وهو : بنات عمك وبنات أعمامك ، وبنات عماتك وبنات عمتك ، وبنات خالك وبنات أخوالك ، وبنات خالاتك وبنات خالتك ، وسره ما أشير إليه . ولما بين شرف أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه صلّى اللّه عليه وسلّم من جهة الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من العرب ، بين شرفهن من جهة الأعمال فقال : اللَّاتِي هاجَرْنَ وأشار بقوله : مَعَكَ إلى أن الهجرة قبل الفتح أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا [ الحديد : 10 ] ولم يرد بذلك التقييد بل التنبيه على الشرف ، وإشارة إلى أنه سبق في علمه سبحانه أنه لا يقع له أن يتزوج من هي خارجة عن هذه الأوصاف ، وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد ؛ روى الترمذي والحاكم وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه والطبراني والطبري وابن أبي حاتم كلهم من رواية السدي عن أبي صالح عن أم هانىء بنت أبي طالب رضي اللّه عنها قالت : خطبني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل اللّه تعالى إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ - الآية ، فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر . كنت من الطلقاء « 1 » قال الترمذي : حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي . ولما بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل ، وأتبعه سبحانه ما خص به شرعه صلّى اللّه عليه وسلّم من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته ، أتبعه ما جاءت إباحته من جهة المبيح إعلاما بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره فقال : وَامْرَأَةً أي وأحللنا لك امرأة مُؤْمِنَةً أي هذا الصنف حرة كانت أو رقيقة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ . ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الإكرام من الخالق والمحبة من الخلائق تشريفا له به وتعليقا للحكم بالوصف ، لأنه لو قال « لك » كان ربما وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير خاص به صلّى اللّه عليه وسلّم ، كرره بيانا لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب عليه القبول فقال : إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به من الإنباء بالأمور العظيمة من عالم الغيب والشهادة أَنْ يَسْتَنْكِحَها أي

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي 3214 والطبراني 985 و 1005 و 1007 والطبري 28546 والبيهقي 7 / 54 والحاكم 4 / 53 من حديث أم هاني ، وسكت عنه الحاكم ، وكذا الذهبي ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن .