ابراهيم بن عمر البقاعي

8

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صبأ عمر ، قال : فمه ! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم ؟ هكذا عن الرجل ! قال : فو اللّه لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه . وفي الروض الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن إسحاق أن عمر قال حين أسلم رضي اللّه عنه : الحمد للّه ذي المن الذي وجبت * له علينا أياد ما لها غير وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا * صدق الحديث نبي عنده الخبر وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى * ربي عشية قالوا قد صبا عمر وقد ندمت على ما كان من زلل * بظلمها حين تتلى عندها السور لما دعت ربها ذا العرش جاهدة * والدمع من عينها عجلان يبتدر أيقنت أن الذي تدعوه خالقها * فكاد يسبقني من عبرة درر فقلت أشهد أن اللّه خالقنا * وأن أحمد فينا اليوم مشتهر نبي صدق أتى بالحق من ثقة * وافى الأمانة ما في عوده خور إذا تقرر هذا ، علم أن المقصود من السورة - كما تقدم - تشريف هذا النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم بإعلامه بالرفق بأمته ، والإقبال بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة ، كما أنزل عليهم السكينة وهم في غاية الضعف والقلة ، وحماهم ممن يريد قتلهم ، ولين قلب عمر رضي اللّه عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيرا ، ثم حماه بعدوه ، وتأمينه صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يستأصلوا بعذاب ، وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع للمهلكين من قوم نوح وهود عليهما السّلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك ، والداعي إلى هذا التأمين أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد ، ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك ، كان ربما أفهم أنه قد انقضت مدتهم ، وحل بوارهم ، وأتى دمارهم ، وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من اللدد - إلا من قد آمن ، فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا اللّه ، لأن الأمر كان في ابتدائه ، ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جدا ، فسكن سبحانه الروع بقوله : ما أَنْزَلْنا بعظمتنا عَلَيْكَ أي وأنت أعلم الخلق الْقُرْآنَ أي أعظم الكتب ، الجامع لكل خير ، والدافع لكل ضير ، الذي يسرناه بلسانك لِتَشْقى * أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعا بعد استئصال قومك وشقائهم بإنذارك إِلَّا أي لكن أنزلناه تَذْكِرَةً أي تذكيرا عظيما لِمَنْ يَخْشى * ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا