ابراهيم بن عمر البقاعي

9

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

القرآن ودوامه ، وما فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من الأحكام أصولا وفروعا ، والمواعظ والرقائق ، والمعارف والآداب ، وأخبار الأولين والآخرين ، ومصالح الدارين ، وزيادته عليها بما شاء اللّه ، لأن كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب ، والتعبير عن « لكن » بالإشارة إلى أنه يمكن أن يكون من باب : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله : تَنْزِيلًا إلى أنه يتمهل عليهم ترفقا بهم ، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجا ، إزالة لشبههم ، وشرحا لصدورهم ، وتسكينا لنفوسهم ، ومدا لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة الكرام إليهم ، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف الأولى ، بل أرسل إليهم رسولا لئلا يقولوا : ربنا لولا - كما اقتضته حكمته وتمت به كلمته ، ولما كان رجوعهم إلى الدين على ما يشاهد منهم من الشدة والأنفة والشماخة التي سماهم اللّه بها قوما لدّا في غاية البعد ، شرع سبحانه يذكر بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء ، وأن شأنه الرفق والأناة ، فقال ملتفتا من التكلم إلى الغيبة ليدل على ما اقتضته النون من العظمة مقدما ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين المعتنى بتذكرتهم وهداية من أريد منهم : مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ المنخفضة . ولما قدم الأرض إعلاما بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم تحقيقا لمقصود السورة تشريفا للمنزل عليه ، أتبعها محل الإنزال على سبيل الترقي من بيت العزة إلى ما كنزه في خزانة العرش فقال : وَالسَّماواتِ الْعُلى * في ستة أيام ، ولو شاء كانتا في لحظة . ولما كان القادر قد لا يكون ملكا ، قال دالّا على ملكه مادحا له بالقطع خبرا لمبتدأ محذوف : الرَّحْمنُ مفتتحا بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي ؛ ثم ذكر خبرا ثانيا دالّا على عموم الرحمة فقال : عَلَى الْعَرْشِ الحاوي لذلك كله اسْتَوى * أي أخذ في تدبير ذلك منفردا ، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم : فلان استوى ، أي جلس معتدلا على سرير الملك ، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه أصلا ، هذا روح هذه العبارة ، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسّلام الذي رواه مسلم عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما « القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلبها كيف شاء » « 1 » أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك ، وهو عليه

--> ( 1 ) أخرجه أحمد 2 / 68 ومسلم 2654 عن عبد اللّه بن عمرو .