ابراهيم بن عمر البقاعي

71

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما تم ذلك على هذا الوجه ، نبه أنه يتعين على كل ذي لب الإقبال عليه والمسارعة إليه ، فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ * . ولما كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله شرفناكم ، وإن ظلمتم برده عنادا أهلكناكم كما أهلكنا من كان قبلكم ، عطف عليه قوله : وَكَمْ قَصَمْنا أي بعظمتنا مِنْ قَرْيَةٍ جعلناها كالشئ اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه ، والإناء الذي فت فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة ، و « كم » في هذا السياق يقتضي الكثرة ، ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله : كانَتْ ظالِمَةً ثم بين الغنى عنها بقوله : وَأَنْشَأْنا أي بعظمتنا . ولما كان الدهر لم يخل قط بعد آدم من إنشاء وإفناء ، فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق الزمان على التعاقب ، بيانا لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ، أسقط الجار فقال : بَعْدَها قَوْماً أي أقوياء ، وحقق أنهم لا قرابة قريبة بينهم بقوله : آخَرِينَ * ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال : فَلَمَّا أَحَسُّوا أي أدرك أهلها بحواسهم بَأْسَنا أي بما فيه من العظمة إِذا هُمْ أي من غير توقف أصلا مِنْها أي القرية يَرْكُضُونَ * هاربين عنها مسرعين كمن يركض الخيل - أي يحركها - للعدو ، بعد تجبرهم على الرسل وقولهم لهم لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [ إبراهيم : 13 ] فناداهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا : لا تَرْكُضُوا وصور التهكم بهم بأعظم صوره فقال : وَارْجِعُوا إلى قريتكم إِلى ما . ولما كان التأسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط معين ، بني للمفعول قوله : أُتْرِفْتُمْ فِيهِ أي منها ، ويجوز أن يكون بني للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون نعمتهم إلى قواهم ، ولو عدوها من اللّه لشكروه فنفعهم . ولما كان أعظم ما يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن ، قال : وَمَساكِنِكُمْ أي التي كنتم تفتخرون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها ، وأوسعتم من فنائها ، وعليتم من مقاعدها ، وحسنتم من مشاهدها ومعاهدها لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ * في الإيمان بما كنتم تسألون ، فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية والعظمة ، أو تسألون في الحوائج والمهمات ، كما يكون الرؤساء في مقاعدهم العلية ، ومراتبهم البهية ، فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحوال مهل تخالف أحوال الراكض العجل أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ [ إبراهيم : 44 ] .