ابراهيم بن عمر البقاعي
72
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان كأنه قيل : بما أجابوا هذا المقال ؟ قيل : قالُوا حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس : يا وَيْلَنا إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي إلا القريب ، وترفقا له كما يقول الشخص لمن يضربه : يا سيدي - كأنه يستغيث به ليكف عنه ، وذلك غباوة منهم ، وعمى عن الذي أحله بهم ، لأنهم كالبهائم لا ينظرون إلا السبب الأقرب ؛ ثم عللوا حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم : إِنَّا كُنَّا أي جبلة لنا وطبعا ظالِمِينَ * حيث كذبنا الرسل ، وعصينا أمر ربنا ، فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف لفوات محله فَما أي فتسبب عن إحلالنا ذلك البأس بهم أنه ما زالَتْ تِلْكَ أي الدعوة البعيدة عن الخير والسلامة ، وهي قولهم : يا ويلنا دَعْواهُمْ يرددونها لا يكون دعوى لهم غيرها ، لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم ، وترفقهم له غير نافعهم حَتَّى جَعَلْناهُمْ بما لنا من العظمة حَصِيداً كالزرع المحصود . ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان ، جعلا خبرا واحدا ليكون « جعل » مقتصرا على مفعولين فقال : خامِدِينَ * أي جامعين للانقطاع والخفوت ، لا حركة لهم ولا صوت ، كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ثم جمرها وصارت رمادا ، ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم لما رأوا بأسنا . [ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 16 إلى 20 ] وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل الجاد بإحقاق الحق بالانتقام لأهله ، وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله ، فكان التقدير : وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن اللعب ، فلم نخلق الناس عبثا يعصوننا ولا يؤاخذون ، عطف عليه قوله : وَما خَلَقْنَا أي بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد . ولما كان خلق سماء واحدة يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها ! وحّد فقال : السَّماءَ أي على علوها وإحكامها وَالْأَرْضَ على عظمها واتساعها وَما بَيْنَهُما مما دبرناه لتمام المنافع من أصناف البدائع وغرائب الصنائع لاعِبِينَ * غير مريدين بذلك تحقيق الحقائق وإبطال الأباطيل ، بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في الوصول إلينا ليظهر العدل في جزاء كل بما يستحق ، مشحونة بما يقوت الأجسام ،