ابراهيم بن عمر البقاعي
40
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان خروج التمثال عقب إلقائه ، جعل كأنه المتسبب في ذلك ، فقيل مع العدول عن أسلوب التكلم استهجانا لنسبة أمر العجل إلى المتكلم : فَأَخْرَجَ لَهُمْ أي لمن شربه وعبده ، وجعل الضمير للغيبة يؤيد قول من جعل هذا كلام من لم يعبد العجل ، والمعنى عند من جعله من كلام العابدين أنهم دلوا بذلك على البراءة منه والاستقذار له . ولما كان شديد الشبه للعجول ، قيل : عِجْلًا وقدم قوله : جَسَداً لنعرف أن عجليته صورة لا معنى - على قوله : لَهُ خُوارٌ لئلا يسبق إلى وهم أنه حي ، فتمر عليه لمحة على اعتقاد الباطل فَقالُوا أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال فتابعه عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه : هذا مشيرين إلى العجل الذي هو على صورة ما هو مثل في الغباوة إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى * فَنَسِيَ * أي فتسبب عن أنه إلهكم أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره ، أو نسي أن يذكره لكم . ولما كان هذا سببا للإنكار على من قال هذا ، قال : أَ فَلا يَرَوْنَ أي أقالوا ذلك ؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية ( أن ) أي أنه لا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا * والإله لا يكون أبكم وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا فيخافوه كما كانوا يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفا من ضره وَلا نَفْعاً * فيقولوا ذلك رجاء له . ولما كان الذنب مع العلم أبشع ، والضلال بعد البيان أشنع ، قال عاطفا على قوله قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ أو على قوله « قالُوا ما أَخْلَفْنا » : وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده . ولما كان قولهم في بعض ذلك الزمان ، قال : مِنْ قَبْلُ أي من قبل رجوع موسى ، مستعطفا لهم : يا قَوْمِ ثم حصر أمرهم ليجتمع فكرهم ونظرهم فقال : إِنَّما فُتِنْتُمْ أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه وثباتكم عليه بِهِ أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة . وأكد لأجل إنكارهم فقال : وَإِنَّ رَبَّكُمُ أي الذي أخرجكم من العدم ورباكم بالإحسان الرَّحْمنُ وحده الذي فضله عام ونعمه شاملة ، فليس على بر ولا فاجر نعمة إلا وهي منه قبل أن يوجد العجل ، وهو كذلك بعده . ومن رحمته قبول التوبة ، فخافوا نزع نعمه بمعصيته ، وارجوا إسباغها بطاعته فَاتَّبِعُونِي بغاية جهدكم في الرجوع إليه وَأَطِيعُوا أَمْرِي * في دوام الشرف بالخضوع لديه ، ودوام الإقبال عليه ، يدفع عنكم ضيره ، ويفض عليكم خيره . ولما كان هذا موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار عليه ، قيل : قالُوا بفظاظة وجمود : لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ أي على هذا العجل عاكِفِينَ أي