ابراهيم بن عمر البقاعي
41
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى * فدافعهم ، فهمّوا به ، وكان معظمهم قد ضل ، فلم يكن معه من يقوى بهم ، فخاف أن يجاهد بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيئا ، ويقتل بعضهم فيحمى له آخرون من ذوي رحمه الأقربين ، فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم شتاتها وتلافي دهمائها ، وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى عليه السّلام مع أنه لم يأمره بجهاد من ضل ، إنما قال له وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [ الأعراف : 142 ] فرأى من الإصلاح اعتزالهم إلى أن يأتي ، فلما ذكر ما قال هارون عليه السّلام ، التفتت النفس إلى علم ما قال له موسى عليه السّلام لأنه خليفته عليهم ، مع كونه رأسا في نفسه ، فدفع هذا العناء بقوله ، مسقطا أخذه برأس أخيه لما تقدم من ذكره ويأتي هنا من الدلالة عليه ، ولم تدع إليه ضرورة في هذه السورة التي من أعظم مقاصدها الدلالة على تليين القلوب : قالَ أي موسى : يا هارُونُ أنت نبي اللّه وأخي ووزيري وخليفتي فأنت أولى الناس بأن ألومه ، وأحقهم بأن أعاتبه ما مَنَعَكَ إِذْ أي حين رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * عن طريق الهدى ، واتبعوا سبيل الردى ، من اتباعي في سيرتي فيهم من الأخذ على يد الظالم طوعا أو كرها ، اتباعا لا تزيغ فيه عما نهجته لك بوجه من الوجوه شيئا من زيغ ، وعبر عن هذا التأكيد بزيادة « لا » في قوله : أَلَّا تَتَّبِعَنِ كما تقدم غير مرة أن النافي إذا زيد في كلام كان نافيا لضد مضمونه فيفيد إثباتا للمضمون ونفيا لضده ، فيكون ذلك في غاية التأكيد أَ فَعَصَيْتَ أي أتكبرت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك عصيت أَمْرِي * وأخذ بلحيته وبرأسه يجره إليه غضبا للّه تعالى ، فكأنه قيل : ما قال له ؟ فقيل : قالَ مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له من الرقة والشفقة : يَا بْنَ أُمَّ فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه لأنه يسوءها ما يسوءه ، وهي أرق من الأب لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي أي بشعره ؛ ثم علل ذلك بقوله : إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ بفعلك هذا الذي لم يجد شيئا لقلة من كان معك وضعفكم عن ردهم وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ولم تقل : وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف ، وهذا كما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة المعين . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 95 إلى 97 ] قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ( 95 ) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ( 96 ) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ( 97 )