ابراهيم بن عمر البقاعي
39
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة طه ( 20 ) : الآيات 87 إلى 94 ] قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ ( 88 ) أَ فَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ( 89 ) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي ( 90 ) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى ( 91 ) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا ( 92 ) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي ( 93 ) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( 94 ) ولما تشوف السامع إلى جوابهم ، استأنف ذكره فقال : قالُوا : لم يكن شيء من ذلك . ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم القدرة ، عبر عن ذلك بقوله ، حكاية عنهم للاعتراف بما قررهم موسى عليه السّلام به من العناد معتذرين عنه بالقدرة ، والاعتذار به لا يدفع العقوبة المرتبة على الذنب : ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا أي لقد صدقت فيما قلت ، ولكنا لم نفعل ذلك ونحن بملك أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر ، وعلى قراءة نافع وعاصم بالفتح المعنى : ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا ، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالضم كأنهم قالوا : ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على أنهم قد ذكروا أن القراءات الثلاث لغات لمعنى واحد ، قال في القاموس : ملكه يملكه ملكا مثلثة : احتواه قادرا على الاستبداد به ، والمعنى أن السامري زين لهم ذلك ، ووسوس به الشيطان فما دروا إلا وقد تبعوه حتى كانوا كأنهم يقادون إليه بالسلاسل ، وقيل : هذا كلام من لم يعبده ، اعتذروا بأنهم كانوا قليلا ، لا قدرة لهم على مقاومة من عبده ، وهذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف في القلوب ، فهو قادر على أن يرد كفار قريش والعرب من بعد عنادهم ، ولددهم وفسادهم وَلكِنَّا كنا حُمِّلْنا أَوْزاراً أي أثقالا من النقدين هي أسباب الآثام ، كما تقدم في الأعراف أن اللّه أمرهم في التوراة أن يستعيروها من القبط فخربوهم بها ، وكأن هذا ما كان خيانة في ذلك الشرع ، أو أن اللّه تعالى أباح لهم ذلك في القبط خاصة مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ الذين لم نكن نعرف قوما غيرهم ، وغيرهم ليس حقيقا بإطلاق هذا اللفظ عليه وهم القبط ، فقضى لنا أن نقذفها في النار ، وتوفرت الدواعي على ذلك واشتدت بحيث لم نتمالك فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أي فتعقب هذا أنه مثل ذلك الإلقاء أَلْقَى السَّامِرِيُّ * وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر ، ألقى ما كان معه ، إما من المال وإما من أثر الرسول ، كما مضى ويأتي ، وكأن إلقاءه كان آخرا .