ابراهيم بن عمر البقاعي

13

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ظن أن يستصعب المقصود من استجابتهم ، أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة ، فبشره سبحانه وتعالى بقوله : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهم ، فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر وحرك إلى النظر في آيات اللّه كما قيل له في موضع آخر فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [ يونس : 65 ] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفا وتأنيسا بقوله الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى إلى أول قصص موسى عليه السّلام ، فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه ، وتحت قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه . فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره ، ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السّلام ، وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم ، وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع وهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل ، وكل هذا مما يؤكد القصد المتقدم ، وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - واللّه أعلم ، انتهى . إِذْ أي حديثه حين رَأى ناراً وهو راجع من بلاد مدين فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير ؛ ثم علل أمره بقوله : إِنِّي آنَسْتُ أي أبصرت في هذا الظلام إبصارا بينا لا شبهة فيه من إنسان العين الذي تبين به الأشياء ، وهو مع ذلك مما يسر من الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم ناراً فكأنه قيل ، فكان ماذا ؟ فقال معبرا بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى : لَعَلِّي آتِيكُمْ أي أترجى أن أجيئكم مِنْها بِقَبَسٍ أي بشعلة من النار في رأس حطبة فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة أَوْ أَجِدُ عَلَى مكان النَّارِ هُدىً * أي ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم فَلَمَّا أَتاها . ولما كان في الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم ، بنى للمفعول قوله : نُودِيَ من الهدى الذي لا هدى غيره ؛ ثم بين النداء بقوله : يا مُوسى * ولما كان المقام للتعريف بالأيادي تلطفا ، قال مؤكدا ، تنبيها له على تعرف أنه كلامه سبحانه من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة المخلوقين ، مسقطا الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي حفص بالفتح ، وحاكيا بقول مقدر عند الباقين : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ أي المحسن إليك بالخلق والرزق وغيرهما من مصالح الدارين فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ كما يفعل بحضرات الملوك أدبا ، ولتنالك بركتها ولتكون مهيأ للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من الأهل والولد ، ولهذا قال أهل العبارة : النعل يدل على الولد . ثم علل بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال : إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك ؛ ثم فسره بقوله : طُوىً * ولما كان المعنى : فإني اخترته تشريفا له من بين البقاع لمناجاتك ، عطف