ابراهيم بن عمر البقاعي
14
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عليه قوله : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ أي للنبوة فَاسْتَمِعْ أي أنصت ملقيا سمعك معملا قلبك للسماع لِما أي اخترتك للذي ، وقدم استمع اهتماما به يُوحى * أي يقال لك مني سرا مستورا عن غيرك سماعه وإن كان في غاية الجهر ، كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاما بعلو قدره وفخامة أمره ؛ ثم فسر الموحى بأول الواجبات وهو معرفة اللّه تعالى ؛ فقال مؤكدا لعظم الخبر وخروجه عن العادات : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال . ولما كان هذا الاسم العلم جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى ، حسن تعقيبه بقوله : لا إِلهَ إِلَّا أَنَا ولما تسبب عن ذلك وجوب إفراده بالعبادة ، قال : فَاعْبُدْنِي أي وحدي : ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة ، وآية الخضوع والمراقبة وروح الدين فقال : وَأَقِمِ الصَّلاةَ أي التي أضاعها خلوف السوء ، إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين ، لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة على المراقبة ، بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء ، وذلك معنى لِذِكْرِي * وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال ، بل هي الجامعة لمظهري الجمال والجلال ؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى ، بل لا بد من إمانتهم ، ثم بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل ، فقال مؤكدا لإنكارهم معبرا بما يدل على سهولة ذلك عليه جدا : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أي لا ريب في إتيانها ، فهي أعظم باعث على الطاعة . ولما كان بيان حقيقة الشيء مع إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجبا في الغالب لنسيانه والإعراض عنه ، فكان غير بعيد من إخفائه أصلا ورأسا ، قال مشيرا إلى هذا المعنى : أَكادُ أُخْفِيها أي أقرب من أن أجدد إخفاءها ، فلذا يكذب بها الكافر بلسانه والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها ، فراقبني فإن الأمر يكون بغتة ، ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب ؛ ثم بين سبب الإتيان بها بقوله : لِتُجْزى أي بأيسر أمر وأنفذه كُلُّ نَفْسٍ كائنة من كانت بِما تَسْعى * أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناسا بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 16 إلى 32 ] فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ( 16 ) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى ( 18 ) قالَ أَلْقِها يا مُوسى ( 19 ) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى ( 20 ) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى ( 21 ) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى ( 22 ) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ( 23 ) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ( 24 ) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ( 25 ) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ( 26 ) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ( 27 ) يَفْقَهُوا قَوْلِي ( 28 ) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ( 29 ) هارُونَ أَخِي ( 30 ) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ( 31 ) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ( 32 )