ابراهيم بن عمر البقاعي

5

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وذلك كفر لا شك فيه ، وقد أطنبت « 1 » فيه في كتابي مصاعد النظر ، وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوقيف مثل نقل القراءات سواء - واللّه الهادي . ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم ، وختمت بالحكمة المقصودة من قص أنباء الرسل ، وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم به في قوله أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ [ سجدة : 3 ] ودل على أنه أنزل بعلمه ، ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة ، فعقب سبحانه هذه المشكلة التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إشكالها عند التأمل واضحة بقوله مشيرا إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة : تِلْكَ أي الآيات العظيمة العالية آياتُ الْكِتابِ أي الجامع لجميع المرادات . ولما تقدم أول سورتي يونس وهود وصفه بالحكمة والإحكام والتفصيل ، وصف هنا بأخص من ذلك فقال تعالى : الْمُبِينِ * أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا يشتبه على العرب بوجه ، والموضح لجميع ما حوى ، وهو جميع المرادات لمن أمعن التدبر وأنعم التفكر ، ولأنه من عند اللّه ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [ يوسف : 111 ] و مَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ [ هود : 120 ] ؛ والبيان : إظهار المعنى للنفس بما يفصله عن غيره وهو غرض كل حكيم في كلامه ، ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد به ، وأبان - لازم متعد ؛ ثم علل المبين بقوله معبرا بالإنزال لأنه في سياق تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف : إِنَّا أَنْزَلْناهُ بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله قُرْآناً سمي بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض عَرَبِيًّا وعلل إنزاله كذلك بقوله : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا من ذوي العقل أو من أن تعقلوا ما يراد منكم ؛ قال أبو حيان : و « لعل » ترجّ فيه معنى التعليل . وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة وأوسعها وأقومها وأعدلها ، لأن من المقرر أن القول - وإن خص بخطابه قوم - يكون عاما لمن سواهم . ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به فؤاده ، قال مثبتا ومعللا بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى : أَحْسَنَ الْقَصَصِ أي الاقتصاص أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضا فنبينه أحسن البيان - لأنه من قص

--> ( 1 ) أطنب الرجل : أتى بالبلاغة في الوصف مدحا كان أو ذما . وجيش مطناب : عظيم .