ابراهيم بن عمر البقاعي
42
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله : مِنْ دُونِهِ أي اللّه الذي قام برهان التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصة بذلك إِلَّا أَسْماءً وبين ما يريد وأوضحه بقوله : سَمَّيْتُمُوها أي ذوات أوجدتم لها أسماء أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ لا معاني لها ، لأنه لا أرواح لها فضلا عن أن تتحقق بمعنى ما سميتموها به من الإلهية ، وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة الإلهية ، وهي الكمال المطلق الذي يستلزم إحاطة العلم والقدرة . ولما كان مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى ، وكان نفي الإنزال كافيا في الإبانة ، لأن عبادة الأصنام باطلة ، ولم يكن في السياق كالأعراف مجادلة توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة ، قال نافيا للإنزال بأي وصف كان : ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي المحيط علما وقدرة . فلا أمر لأحد معه بِها وأعرق في النفي فقال : مِنْ سُلْطانٍ أي برهان تتسلط به على تعظيمها ، فانتفى تعظيمها لذاتها أو لغيرها ، وصار حاصل الدليل : لو كانوا أحياء يحكمون لم يصلحوا للإلهية ، لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم لأنهم لا صلاحية فيهم للإلهية ، لكنهم ليسوا أحياء ، فهم أجدر بعدم الصلاحية ، فعلم قطعا أنه لا حكم لمقهور ، وأن كل من يمكن أن يكون له ثان مقهور ؛ فأنتج هذا قطعا أن الحكم إنما هو للّه الواحد القهار ، وهو لم يحكم بتعظيمها ؛ وذلك معنى قوله : إِنِ أي ما الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي المختص بصفات الكمال ؛ والحكم : فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة . ولما انتقى الحكم عن غيره ، وكان ذلك كافيا في وجوب توحيده ، رغبة فيما عنده ، ورهبة مما بيده ، أتبعه تأكيدا لذلك وإلزاما به أنه حكم به ، فقال : أَمَرَ أَلَّا نعبدوا أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال إِلَّا إِيَّاهُ أي وهو النافذ الأمر المطاع الحكم . ولما قام هذا الدليل على هذا الوجه البين ، كان جديرا بالإشارة إلى فضله ، فأشار إليه بأداة البعد ، تنبيها على علو مقامه وعظيم شأنه فقال : ذلِكَ أي الشأن الأعظم ، وهو توحيده وإفراده عن خلقه الدِّينُ الْقَيِّمُ أي الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه ، الظاهر أمره لمن كان له قلب وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي لما لهم الاضطراب مع الحظوظ لا يَعْلَمُونَ * أي ليس لهم علم ، لأنهم لا ينتفعون بعقولهم ، فكأنهم في عداد البهائم العجم ، فلأجل ذلك هم لا يفردون اللّه بالعبادة .