ابراهيم بن عمر البقاعي

43

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 41 إلى 42 ] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهمّ لهما لو علما لمآله إلى الحياة الأبدية والرفعة السرمدية . أقبل على حاجتهما تمكينا لما ذكره وتأكيدا للذي قرره ، فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير ، فقال : يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب فتتخلص فيه المودة . ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز ، أبهم ليجوّز كل واحد أنه الفائز ، فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن الأليق فقال : أَمَّا أَحَدُكُما وهو الساقي فيخلص ويقرب فَيَسْقِي رَبَّهُ أي سيده الذي كان في خدمته خَمْراً كما كان وَأَمَّا الْآخَرُ وهو الخباز . ولما كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك ، بنى للمفعول قوله : فَيُصْلَبُ ويعطب فَتَأْكُلُ أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ والآية من الاحتباك : ذكر ملزوم السلامة والقرب أولا دليلا على العطب ثانيا ، وملزوم العطب ثانيا دليلا على السلامة أولا ، وسيأتي شرح تعبيره من التوراة ، فكأنه قيل : انظر جيدا ما الذي تقول ! وروى أنهما قالا : ما رأينا شيئا ، إنما كنا نلعب ، فقال مشيرا بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة اللّه وسهولة الأمور عليه : قُضِيَ الْأَمْرُ وبينه بقوله : الَّذِي فِيهِ أي لا في غيره تَسْتَفْتِيانِ * أي تطلبان الإفتاء فيه عملا بالفتوة ، فسألتما عن تأويله ، وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو صدقتما ، لم أقله عن جهل ولا غلط . وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر ، والأحد : المختص من المضاف إليه بمبهم له مثل صفة المضاف ، ولا كذلك « البعض » فلا يصدق : رأيت أحد الرجلين - إلا برجل منهما ، بخلاف « بعض » والفتيا : الجواب بحكم المعنى ، وهو غير الجواب بعلته - ذكره الرماني . ولعل رؤيتهما تشيران إلى ما تشير إليه رؤيا الملك ، فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان ، لأنه لا يكون إلا عن فضل ، والخبز - الذي طارت به الأطيار ، وسارت بروح صاحبه الأقدار - يشير إلى اليابسة والعجاف - واللّه أعلم . ولما كان كل علم بالنسبة إلى علم اللّه عدما ، عبر عن علمه بالظن ، ويمكن أن يكون الظن على بابه لكونه قال ما مضى اجتهادا بقرائن فيؤخذ منه أنه يسوغ الجزم بما