ابراهيم بن عمر البقاعي
22
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
بقوله : إِنَّهُ يَراكُمْ أي الشيطان هُوَ وَقَبِيلُهُ أي جنوده مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ عن مالك بن دينار أن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا من عصمه اللّه . ولما كان كأنه قيل : لم سلطوا علينا هذا التسليط العظيم الذي لا يكاد يسلم معه أحد ، قال مخففا لأمرهم موهيا في الحقيقة لكيدهم : إِنَّا أي فعلنا ذلك لأنا بما لنا من العظمة جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أي المحترقين بالغضب البعيدين من الرحمة أَوْلِياءَ أي قرباء وقرناء لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * أي يجددون الإيمان ، لأن بينهم تناسبا في الطباع يوجب الاتباع ، وأما أولياؤنا الذين منعناهم بقوتنا منهم أو فتناهم يسيرا بهم ، ثم خلصناهم بلطفنا منهم فليسوا لهم بأولياء ، بل هم لهم أعداء وآيتهم أنهم يؤمنون ، والمعنى أنا مكناهم من مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم ، فسلطناهم بذلك على من حكمنا بأنه لا يؤمن بتزيينهم لهم وتسويلهم واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض المواطن ويوصلوهم إلى شيء من المطالب ، فعلنا ذلك ليتبين الرجل الكامل - الذي يستحق الدرجات العلى ويتردد إليه الملائكة بالسلام والجنى - من غيره فخذوا حذركم فإن الأمر خطر والخلاص عسر ، وبعبارة أخرى : إنا سلكناكم طريقا وجعلنا بجنبتيها أعداء يرونكم ولا ترونهم ، وأقدرناهم على بعضكم ، فمن سلك سواء السبيل نجا ومن شذ أسره العدو ، ومن دنا من الحافات بمرافقة الشبهات قارب العدو ومن قاربه استغواه ، فكلما دنا منه تمكن من أسره ، وكل من تمكن من أسره بعد الخلاص فاحذروا ، وعدم رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع رؤيتهم على أنه قد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريرة رضي اللّه عنه حين أمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحفظ الصدقة « 1 » ، وكذا أبي بن كعب رضي اللّه عنه « 2 » ، وحديث خالد بن الوليد رضي اللّه عنه في شيطان العزي معروف في السير « 3 » ، وكذا
--> ( 1 ) يشير المصنف لحديث أبي هريرة عند البخاري 2311 و 3275 و 5010 والنسائي في عمل اليوم والليلة من السنن الكبرى 10795 والبيهقي في الدلائل 7 / 107 . 108 وهو حديث طويل ، وفيه : « أما إنه صدقك ، وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ قال : لا قال : ذاك شيطان . ( 2 ) يشير المصنف لحديث أبي بن كعب عند النسائي في سننه الكبرى 10796 و 10797 والبيهقي في الدلائل 7 / 108 و 109 والطبراني في الكبير برقم 514 وابن حبان 784 والحاكم 1 / 562 وهو حديث طويل ، وفيه : « فسلمت فرد السّلام ، فقلت : ما أنت ؟ جن أم إنس ؟ فقال جن ، فقلت : ناولني يدك ، فإذا يد كلب وشعر كلب . . . » ( 3 ) هذه القصة ذكرها البيهقي في الدلائل من حديث أبي الطفيل 5 / 77 قال : لما فتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ، وكانت بها العزى . . . . فإذا امرأة عريانة ناشزة شعرها تحثو التراب على رأسها ، فعممها بالسيف حتى قتلها . . . » .