ابراهيم بن عمر البقاعي
88
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
جدا حتى عند أهل الاصطفاء فقال : لَدَيْهِمْ قال الحرالي : لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه - انتهى . إِذْ يُلْقُونَ لأجل القرعة - أَقْلامَهُمْ قال الحرالي : جمع قلم ، وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى أَيُّهُمْ أي يستهمون أيهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ أي يحضنها ويربيها تنافسا في أمرها لما شرفها اللّه تعالى به وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أي حين يَخْتَصِمُونَ * أي في ذلك حتى نقصّ مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ذلك إلا بالكون معهم إذ ذاك ، أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب ، أو بوحي منا ؛ ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور بينهم في ذلك الوقت ، لشهرتك بالنشأة أميا مباعدا للعلم والعلماء حتى ما يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة ، فانحصر إخبارك بذلك في الوحي منا ، وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذه القصص ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي ، وجعله بعد الافتتاح بقصة مريم عليهاالسّلام تنبيها على عظم شأنها وأنها المقصودة بالذات للرد على وفد نصارى نجران ، وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلا على خواص أهل الكتاب ، هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب ، واستمر في إكمال المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى مبدلا من إذ الأولى إيذانا بأن ما بينهما اعتراض لما نبه عليه من شريف الأغراض : إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد المقتضي للتفرد بالعظمة عبر بما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات فقال : إِنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، فلا راد لأمره يُبَشِّرُكِ وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليهاالسّلام ، وقوله : بِكَلِمَةٍ أي مبتدئة مِنْهُ من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب ، والتعبير بها أوفق لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره ، ثم بين أنه ليس المراد بالكلمة حقيقتها ، بل ما يكون عنها ويكون فعالا بها فقال مذكرا للضمير : اسْمُهُ أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء : الْمَسِيحُ أصل هذا الوصف أنه كان في شريعتهم : من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرا متأهلا للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركا ، فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى عليه الصلاة والسّلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يمسح ؛ وأما وصف الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة والسّلام وصف بوصفه - من باب التسمية