ابراهيم بن عمر البقاعي

89

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بالضد ، وإما أن يكون إشارة إلى أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ونحوه فيبرأ - واللّه سبحانه وتعالى أعلم . ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال عِيسَى وبين أنه يكون منها وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك : ابْنُ مَرْيَمَ وذلك أنفى لما ضل به من ضل في أمره ، وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس الكلمة وبإبهامه أولا ثم تفسيره ، وقوله : اسْمُهُ تعظيم لقدره وبيان لفضله على يحيى عليهما السّلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر ، ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالا دالة على أنه يظهر اتصافه بها حال الولادة تحقيقا لظهور أثر الكلمة عليه فقال : وَجِيهاً قال الحرالي : صيغة مبالغة مما منه الوجاهة ، وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ظاهر فيه - انتهى . فِي الدُّنْيا ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد الموت قال : وَالْآخِرَةِ ولما كانت الوجاهة ثمّ مختلفة ذكر أعلاها عاطفا بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال : وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * أي عند اللّه . ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ أي من كلمه من جميع هذا النوع ، بأي لسان كان كلمه ، حال كونه فِي الْمَهْدِ قال الحرالي : هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون والهدو قوامه - انتهى . وبشرها بطول حياتها بقوله : وَكَهْلًا أي بعد نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي ، ويكون كلامه في الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت . قال الحرالي : والكهولة سن من أسنان أرابيع الإنسان ، وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا والشباب فهو خير عمره ، يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد نيف وأربعين إلى بضع وستين ، إذا قسم الأرباع لكل ربع إحدى وعشرون سنة صبا ، وإحدى وعشرون شبابا ، وإحدى وعشرون كهولة ، وإحدى وعشرون شيوخه ، فذلك بضع وثمانون سنة - انتهى . وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة ، وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي « 1 » في الباب الرابع عشر من كتابه فقه اللغة : ثم ما دام بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ، ثم كهل إلى أن يستوفي الستين ؛ ويقال : شاب الرجل ، ثم شمط ، ثم شاخ ، ثم كبر -

--> ( 1 ) هو الإمام اللغوي عبد الملك بن محمد الثعالبي صاحب كتاب « فقه اللغة » وهو مطبوع ، وله ثلاثة تفاسير إلا أنه كحاطب ليل كتبه مشحونة بالأحاديث الموضوعة مات سنة 430 .