ابراهيم بن عمر البقاعي
75
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ذلك الرزق لا إلى أعيانه ، فهو إنباء عن رؤية قلب ، لا عن نظر عين لأن هو كلمة إضمار جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره ، ولما لم يكن من معهود ما أظهرته حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ذي الجلال والإكرام ، لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده ، وما كان مستغربا فيما هو من عنده فهو من لدنه ، فهي ثلاث رتب : رتبة لدنية ، ورتبة عندية ، ورتبة حكمية عادية ؛ فكان هذا من وسط الثلاث - كما قال تعالى : آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص كما قال : أَ خَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً [ الكهف : 71 ] والإمر العجب ، ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن ( من عند ربي ) لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما كان من نحوها كما قال هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي [ النمل : 40 ] لما كان من عادته المكنة على الملوك ، وكان ممكنا فيما أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى . ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيها على أن ذلك ليس في قدرة ملوك الدنيا : إِنَّ اللَّهَ أي الذي له الإحاطة الكلية . قال الحرالي : في تجديد الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ولمن شاء اللّه كما هو لي بما شاء اللّه ، من حيث لم يكن أنه فيكون مليحا لاختصاص ما بها ، ويؤيده عموم قولها : يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وقولها : بِغَيْرِ حِسابٍ * يشعر بأنه عطاء متصل ، فلا يتحدد ولا يتعدد ، فهو رزق لا متعقب عليه ، لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة ، فكان في الرزق بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكر عنه ، لأن أعظم الشكر لرزق اللّه سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من اللّه تعالى ، إنما يشكر رزق اللّه من أخذه من اللّه سبحانه وتعالى - انتهى . ولما كان كأنه قيل : فما قال زكريا حينئذ ؟ قيل : هُنالِكَ أي في ذلك الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ تذكرا لما عودهم اللّه سبحانه وتعالى به من الإكرام ، فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة . قال الحرالي : لما أشهده اللّه سبحانه وتعالى أنه يخرق عادته لمن شاء بكلمته في حق كفيلته في الظاهر ، الكافلة له في هذا المعنى ، دعا ربه الذي عوده بالإحسان أن يرزقه ولدا في غير إبانه كما رزق مريم رزقا في غير زمانه فوجب دعاؤه - انتهى . قالَ رَبِّ أي الذي عودني بإحسانه هَبْ لِي مِنْ