ابراهيم بن عمر البقاعي

76

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لَدُنْكَ قال الحرالي : طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه وتعالى : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] ، وكما قال فيه وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا [ مريم : 13 ] ، لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن من عند ذُرِّيَّةً فيه إشعار بكثرة ونسل باق ، فأجيب بولد فرد لما كان زمان انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصورا لغلبة الروحانية على إنسانيته - انتهى . طَيِّبَةً أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص ، ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله : إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجيب إذا كان قادرا كاملا ، وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم ، بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع ، ولو سمعت لم تقدر على الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة . قال الحرالي : أعلم الداعي بما للّه سبحانه وتعالى من الإجابة ، والقرب « وسيلة في قبول » دعائه - انتهى . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 39 إلى 43 ] فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ولما كان اللّه سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال فَنادَتْهُ أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته الْمَلائِكَةُ يعني هذا النوع ، لا كلهم بل ناداه البعض ، وكان متهيئا بما آتاه اللّه سبحانه وتعالى من الفضل لمناداة الكل ، كما هو شأن أهل الكمال من الرسل وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ وهو موضع محاربة العابد للشيطان ، وهو أشرف الأماكن لذلك . قال الحرالي : فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام ، وسجود يقابله ، وركوع متوسط ، فذكرت صلاته بالقيام إشعارا بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى . ثم استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال : بأي شيء نادته الملائكة ؟ قوله : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ قال الحرالي : فذكر الاسم الأعظم المحيط معناه بجميع معاني الأسماء ، ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من وراء الحكمة العادية ؛ وفي قوله : بِيَحْيى مسمى بصيغة الدوام - مع أنه كما قيل : قتل - إشعار بوفاء حقيقة