ابراهيم بن عمر البقاعي

727

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها ، ومتى ارتفعت عن الأرض تلفت ، فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلّا لاستوت الجنات كلها لأن نسبتها إلى السماء والأرض واحدة ، فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك له ، لا يكون إلا ما يريد . ولما ذكر الجنات الجامعة ، خص أفضلها وأدلها على الفعل بالاختيار ، وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات ] فقال : وَالنَّخْلَ أي وأنشأ النخل وَالزَّرْعَ حال كونه مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ أي أكل أحد النوعين ، وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة إلى الآخر ، وأكل كل نوع بالنسبة إلى الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره ، بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف ، وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح جدا وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ . ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي الشريك وإثبات الفعل بالاختيار ، لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى بأصل الفعل فقيل : مُتَشابِهاً أي كذلك وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ أي في اللون والطعم والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه ، ولعله جمع الأولين لأن كلّا منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل ، والاختلاف في النوع بالشجر والنجم ، والتفاوت العظيم في المقدار ، والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه ، والثاني يسرع فساده ، ويدخر كل منهما على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك . ولما كان قوله وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [ الأنعام : 99 ] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا اللّه ، أمر فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما ، وكانت هذه الآية في سياق التعنيف لمن حرم ما رزقه اللّه والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن تركه تدينا فقال تعالى هنا : كُلُوا وقدم الأولى المستدل بها على وجود البارىء وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية ؛ وقال أبو حيان في النهر : لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه من العظم الرميم وهو عجب الذنب ، قال انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ [ الأنعام : 99 ] إشارة إلى الإيجاد أولا وإلى غايته ، وهنا لما كان في معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال : كلوا ، ودل على أن الرزق أكثر من خلقه بقوله : مِنْ ثَمَرِهِ ، ولما كان هذا الأم للإباحة لا للإرادة ، قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال