ابراهيم بن عمر البقاعي
694
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يَدْعُونَ أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم بذكر ما فيهم من النقص ، ثم بين دفعا لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلا ، بعلم منكم بما لهم من المعايب ، بل أعرضوا عن غير دعائهم إلى اللّه حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه ، فإنا زينا لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل ، وكذبوا بجميع الآيات الموجبة للإيمان ، فربما جرهم سبّكم لها - لما عندهم من حمية الجاهلية - إلى ما لا يليق فَيَسُبُّوا أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا اللَّهِ أي الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال ، وأظهر تصريحا بالمقصود وإعظاما لهذا الأمر وتهويلا له وتنفيرا منه . ولما كان الخنو يوجب الإسراع ، أشار إليه سبحانه بقوله : عَدْواً أي جريا إلى السب ؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم ، قال مبينا لأنه يراد به مع الإسراع أنه مجاوز للحد : بِغَيْرِ عِلْمٍ لأنا زينا لهم عملهم ، فالطاعة إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى الحال إلى تركها وقتا ما ، لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر ، فحكم الآية باق وليس بمنسوخ . ولما كان ذلك شديدا على النفس ضائقا به الصدر ، اقتضى الحال أن يقال : هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من الأمم مثله ؟ فقيل : كَذلِكَ أي بل كان لغيرهم ، فإنا مثل ذلك التزيين الذي زينا لهؤلاء زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ أي طائفة عظيمة مقصودة عَمَلَهُمْ أي القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له ، ردا منا لهم بعد العقل الرصين أسفل سافلين ، حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن لتبين قدرتنا ؛ فكان في ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية ، والآية من الاحتباك : إثبات بِغَيْرِ عِلْمٍ أولا دال على حذفه ثانيا ، وإثبات التزيين ثانيا دليل على حذفه أولا . ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم ، وكان الإمهال ربما كان من جهل بعمل العاصي ، نفى ذلك بقوله ثُمَّ أي بعد طول الإمهال إِلى رَبِّهِمْ أي المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه ، لا إلى غيره مَرْجِعُهُمْ أي بالحشر الأعظم فَيُنَبِّئُهُمْ أي يخبرهم إخبارا عظيما بليغا بِما أي بجميع ما كانُوا يَعْمَلُونَ * أي على سبيل التجدد والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على مقتضى العلم .