ابراهيم بن عمر البقاعي
695
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 109 إلى 111 ] وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) ولما نصب سبحانه هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم منهم من الإسراع إلى سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في الكون ، وما من نعمة عليهم إلا وهي منه ، عجب منهم في الوعد بالإيمان على وجه التأكيد بما يأتيهم من مقترحاتهم إعلاما بأن ذلك مما زين لهم من عملهم ، وهي أمنية كاذبة ويمين حانثة فقال عاطفا على وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ [ الأنعام : 100 ] وَأَقْسَمُوا أي المشركون بِاللَّهِ أي الذي لا أعظم منه جَهْدَ أَيْمانِهِمْ أي باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة ، ووطأ للقسم فقال : لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ أي من مقترحاتهم ، وتلقى القسم بقوله : لَيُؤْمِنُنَّ بِها . ولما كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد إتيانه من المعجزات بما أزال معاذيرهم ، وأوجب عليهم الاتباع ، نبه على ذلك بقوله مستأنفا : قُلْ أي ردا لتعنتهم إِنَّمَا الْآياتُ أي هذا الجنس عِنْدَ اللَّهِ أي الحائز لجميع صفات الكمال ، وليس إليّ ولا إلى غيري شيء من هذا الجنس ليفيد الاقتراح شيئا غير إغضابه . ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على شيء أصلا ، فلا يصح له أن يحكم على آت أصلا لا من أفعاله ولا من أفعال غيره ، قال منكرا عليهم ملتفتا إلى خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة بالتبكيت : وَما أي وأي شيء يُشْعِرُكُمْ أي أدنى شعور بما أقسمتم عليه من الإيمان عند مجيئها حتى يتوهموه أدنى توهم فضلا عن الظن فكيف بالجزم ولا سيما على هذا الوجه ! ثم علل الاستفهام بقوله مبينا أنه لا فائدة في الإتيان بالآية المقترحة : أَنَّها بالفتح في قراءة نافع وابن عامر وشعبة في رواية عنه وحفص وحمزة والكسائي ، فكان كأنه قيل : أنكرت عليكم لأنها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة ، والالتفات إلى الغيبة في قراءة غيرهم للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض عنهم لما استحقوا من الغضب ، والتعليل عند من كسر « أنها » واضح .