ابراهيم بن عمر البقاعي
625
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 31 إلى 34 ] قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ( 33 ) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع السامع ذكره ، فقال تحقيقا لذلك ، وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب : قَدْ خَسِرَ وأظهر موضع الإضمار تعميما وتنبيها على ما أوجب لهم ذلك فقال : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ، ولا أمر لأحد معه ، قد خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ أي الحقيقة ، وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من مات جاءت ساعته ، وحذرهم منها بقوله : بَغْتَةً أي باغتة ، أو ذات بغتة ، أو بغتتهم بإتيانها على حين غفلة ، لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي تجيء فيه نوعا من الشعور قالُوا يا حَسْرَتَنا أي تعالى احضرينا أيها الحسرة اللائقة بنا في هذا المقام ! فإنه لا نديم لنا سواك ، وهو كناية عن عظمة الحسرة وتنبيه عليه ، لينتهي الإنسان عن أسبابها عَلى ما فَرَّطْنا أي قصرنا فِيها أي بسبب الساعة ، ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة للسباق بترك اتباع الرسل ، وذلك أن اللّه خلق المكلف وبعث له النفس الناطقة القدسية منزلا لها إلى العالم السفلي ، وأفاض عليه نعما ظاهرة وهي الحواس الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية ، ونعما باطنة وهي العقل والفكر وغيرهما ، ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل المعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت ، وبعث الأنبياء عليهم السّلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا ، فأعرضوا عما دعوا إليه من تزكية النفس ، وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال ، وما ظنوه من اللذات التي عدوها أرباحا فات ففقدوا الزاد ، ولم يهيئوا النفوس للاهتداء ، فلا رأس مال ولا ربح ، فصاروا في غاية الانقطاع والغربة ، ولا خسران أعظم من هذا . ولما كان هذا أمرا مفظعا ، زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة حالية بشدة تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم ، حتى كأن عليهم أحمالا ثقالا فقال : وَهُمْ