ابراهيم بن عمر البقاعي
626
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
أي وقالوا ذلك والحال أنهم يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ أي أحمال ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل ، وحقق الأمر وصوره بقوله : عَلى ظُهُورِهِمْ لاعتقاد الحمل عليه ، كما يقال : ثقل عليك كلام فلان ، ويجوز أن يجسد أعمالهم أجسادا ثقالا ، فيكلفوا حملها ؛ ولما كان ذلك الحمل أمرا لا يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه من البشاعة والثقل ، أشار إلى ذلك بقوله جامعا للمذام : أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ * . فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد ، ولم يبق فيه لذي لب وقفة ، صرح بما اقتضاه الحال من أمر هذه الدار ، فقال منبها على خساستها معجبا منهم في قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها ، معلما بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا إليه خيال ، وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال ، عكس ما كانوا يقولون : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا . ولما كان السياق للخسارة ، وكانت أكثر ما تكون من اللعب - وهو فعل ما يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع ، ويسرع انقضاؤه - قدمه فقال : إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ أي للأشقياء ، وللحياة الدنيا شر للذين يلعبون ، واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء على وجه لم يؤذن فيه ، فيكون سببا للغفلة عما ينفع ، فتأخيره إشارة إلى أن الجهلة كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل الباطلة بعلو النفوس أثاروا الشهوات بالملاهي ، والمعنى أنه تحقق من هذه الآيات زوال الدنيا ، فتحققت سرعته ، لأن كل آت قريب ، فحينئذ ما هي إلا ساعة لعب ، يندم الإنسان على ما فرط فيها ، كما يندم اللاعب - إن كان له عقل - على تفويت الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم . ولما كان التقدير بما أرشد إليه المعنى : وما الدار الآخرة إلا جد وحضور وبقاء للأتقياء ، أتبعه قوله مؤكدا : وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ ولما كان الكل مآلهم إلى الآخرة ، خصص فقال : لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أي يوجدون التقوى ، وهي الخوف من اللّه الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي ، ليكون ذلك وقاية لهم من غضب اللّه ، فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه وحذف ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه ، فهو احتباك ؛ ولما كان من شأن العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره ، تسبب عن إقبالهم على الفاني وتركهم الباقي قوله منكرا : أَ فَلا تَعْقِلُونَ * . ولما كرر في هذه السورة أمره بمقاولتهم ، وأطال في الحث على مجادلتهم ، وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا يؤمنون لآية من الآيات ، وكان من المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة وشماخة الكبر وقوة الجرأة ، وأنه لا جواب لهم إلا التبعة والبذاءة كما