ابراهيم بن عمر البقاعي

376

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات ، ولا ظهرت عليها عجائب الكرامات ، ولا تكلم هو في المهد ، ولا ظهرت على لسانه ينابيع الحكمة ، ولا قدر على إحياء الموتى ، وذلك متضمن لأن اللّه تعالى العليم الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه ، وذلك مناف للحكمة ، فهو كذب على اللّه بعيد عن تنزيهه ، ومن قال : إن اللّه أو ابن اللّه ، فهو أبطل وأبطل ، فإنه لو كان كذلك لما كان حادثا ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ عنهما ، ولا قدر أحد على أذاه ولثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله ، فلم يصلح للإلهية ، وذلك أبطل الباطل . ولما ادعى اليهود أنه غير رسول ، والنصارى أنه إله ، حسن تعقيبه بقوله : إِنَّمَا الْمَسِيحُ أي المبارك الذي هو أهل لأن يمسحه الإمام بدهن القدس ، لما فيه من صلاحية الإمامة ، وهو أهل أيضا لأن يمسح الناس ويطهرهم . لما له من الكرامة ، ولما ابتدأ سبحانه بوصفه الأشهر ، وكان قد يوصف به غيره بيّنه بقوله : عِيسَى ثم أخبر عنه بقوله : ابْنُ مَرْيَمَ اتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم ، لا يصح نسبته للبنوة إلى غيرها ، وليس هو اللّه ولا ابن اللّه - كما زعم النصارى رَسُولُ اللَّهِ لا أنه لغير رشدة - كما كذب اليهود . ولما كان تكّونه بكلمة اللّه من غير واسطة ذكر ، جعل نفس الكلمة فقال : وَكَلِمَتُهُ لأنه كان بها من غير تسبب عن أب بل ، كونا خارقا للعوائد أَلْقاها أي أوصلها على علو أمره وعظيم قدرته إيصالا سريعا إِلى مَرْيَمَ وحصلها فيها ، وزاده تشريفا بقوله : وَرُوحٌ أي عظيمة نفخها فيما تكّون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة ، لا بمادة من ذكر ، والروح هو النفخ في لسان العرب ، وهو كالريح إلا أنه أقوى ، بما له من الواو والحركة المجانسة لها ، ولغلبة الروح عليه كان يحيي الموتى إذا أراد ، وأكمل شرفه بقوله : مِنْهُ أي وإن كان جبرئيل هو النافخ ، وإذا وصف شيء بغاية الطهارة قيل : روح ، لا سيما إن كان به حياة في دين أو بدن . ولما أفصح بهذا الحق سبب عنه قوله : فَآمِنُوا بِاللَّهِ أي الذي لا يعجزه شيء ، ولا يحتاج إلى شيء وَرُسُلِهِ أي عيسى عليه الصلاة والسّلام وغيره عامة ، من غير إفراط ولا تفريط ، ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض ، فإن ذلك حقا هو الكفر الكامل - كما مر . ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل فقال : وَلا تَقُولُوا أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسّلام ثَلاثَةٌ أي استمروا أيها اليهود على التكذيب بما يقول فيه النصارى ، ولا تقولوا : إنه متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث ،