ابراهيم بن عمر البقاعي

377

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وارجعوا أيها النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله واحد ، لأن ذلك بديهي البطلان ، فالحاصل أنه نهى كلا عن التثليث وإن كان المرادان به مختلفين ، وإنما العدل فيه أنه ابن مريم ، فهما اثنان لا غير ، وهو عبد اللّه ورسوله وكلمته وروح منه . ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي صرح به في مادته مرغبا مرهبا في صيغة الأمر بقوله : انْتَهُوا أي عن التثليث الذي نسبتموه إلى اللّه بسببه ، وعن كل كفر ، وقد أرشد سياق التهديد إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء خَيْراً لَكُمْ . ولما نفى أن يكون هو اللّه ، كما تضمن قولهم ، حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك ، كما فعل في عيسى عليه الصلاة والسّلام فقال : إِنَّمَا اللَّهُ أي الذي له الكمال كله ؛ ولما كان النزاع إنما هو في الوحدانية من حيث الإلهية ، لا من حيث الذات قال : إِلهٌ واحِدٌ أي لا تعدد فيه بوجه . ولما كان المقام عظيما زاد في تقريره ، فنزهه عما قالوه فقال : سُبْحانَهُ أي تنزه وبعد بعدا عظيما وعلا علوا كبيرا أَنْ أي عن أن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك يقتضي الحاجة ، ويقتضي التركيب والمجانسة ، فلا يكون واحدا ؛ ثم علل ذلك بقوله : لَهُ أي لأنه إله واحد لا شريك له له ما فِي السَّماواتِ وأكد لأن المقام له فقال : وَما فِي الْأَرْضِ أي خلقا وملكا وملكا ، فلا يتصور أن يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيّز فيهما ، ولا يصح بوجه أن يكون بعض ما يملكه المالك جزءا منه وولدا له ، وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسّلام من ذلك ، وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود . ولما كان معنى ذلك أنه الذي دبرهما وما فيهما ، لأن الأرض في السماء ، وكل سماء في التي فوقها ، والسابعة في الكرسي ، والكرسي في العرش ، وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ذلك ، وذلك هو وظيفة الوكيل بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه ؛ كان كأنه قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير مصالحكم ، فبنى عليه قوله : وَكَفى بِاللَّهِ أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة وَكِيلًا * أي يحتاج إليه كل شيء ، ولا يحتاج هو إلى شيء ، وإلا لما كان كافيا . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 172 إلى 174 ] لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( 172 ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 173 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً ( 174 )