ابراهيم بن عمر البقاعي
323
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولا أعظم حظا ، فأنزل اللّه في ذلك : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا [ مريم : 77 ] الآيات من آخر مريم ، ويقول لهم أهل الكتاب : أنتم أهدى سبيلا ، لما كان ذلك قال تعالى رادا على الفريقين : لَيْسَ أي ما وعده اللّه وأوعده بِأَمانِيِّكُمْ أي أيها العرب وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ أي التي يمنيكم جميعا بها الشيطان . ولما كانت أمانيهم أنهم لا يجازون بأعمالهم الخبيثة ، أنتج ذلك لا محالة قوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ أي بالمصائب من الأمراض وغيرها ، عاجلا إن أريد به الخير ، وآجلا إن أريد به الشر ، وما أحسن إيلاؤها لتمنية الشيطان المذكورة في قوله يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ! [ النساء : 120 ] فيكون الكلام وافيا بكشف عوار شياطين الجن ثم الإنس في غرورهم لمن خف معهم مؤيسا لمن قبل منهم ، وما أبدع ختامها بقوله : وَلا يَجِدْ لَهُ ولما كان كل أحد قاصرا عن مولاه ، عبر بقوله : مِنْ دُونِ اللَّهِ أي الذي حاز جميع العظمة وَلِيًّا أي قريبا يفعل معه ما يفعل القريب وَلا نَصِيراً * أي ينصره في وقت ما ! وما أشد التئامها بختام أول الآيات المحذرة منهم أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ [ النساء : 44 ] إلى قوله : وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً [ النساء : 45 ] إشارة إلى أن مقصود المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ومتابعتهم إنما هو الولاية والنصرة ، وأنهم قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن لا نصرة له ، وتركوا من ليست النصرة إلا له . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 124 إلى 125 ] وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ( 124 ) وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ( 125 ) ولما أبدى جزاء المسئ تحذيرا ، أولاه أجر المحسن تبشيرا فقال : وَمَنْ يَعْمَلْ وخفف تعالى عن عباده بقوله : مِنَ الصَّالِحاتِ ولما عمم بذكر ( من ) صرح بما اقتضته في قوله : مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وقيد ذلك بقوله : وَهُوَ أي والحال أنه مُؤْمِنٌ ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان فَأُولئِكَ أي العالو الرتبة ، وبنى فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر وأبي بكر عن عاصم وروح عن يعقوب ، وللفاعل في قراءة غيرهم ، لأن المقصود نفس الفعل ، لا كونه من فاعل معين ؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة يَدْخُلُونَ أي يدخلهم اللّه الْجَنَّةَ أي الموصوفة وَلا يُظْلَمُونَ وبنى الفعل للمجهول ، لأن المقصود الخلاص منه لا بقيد فاعل معين نَقِيراً * أي لا يظلم اللّه المطيع منهم بنقص شيء ما ، ولا العاصي بزيادة شيء ما ، والنقير : ما في ظهر النواة من تلك الوقبة الصغيرة جدا ، كني بها عن العدم ، وهذا على