ابراهيم بن عمر البقاعي
324
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ما يتعارفه الناس وإلا فاللّه تعالى له أن يفعل ما يشاء ، فإن ملكه تام وملكه عام ، لا يتصور منه ظلم كيف ما فعل . ولما كشف سبحانه زورهم وبيّن فجورهم ، أنكر أن يكون أحد أحسن دينا ممن اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم زعما تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران ، فقال عاطفا على ما تقديره : فمن أحسن دائنا ومجازيا وحاكما منه سبحانه وتعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً أو يكون التقدير : لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن دينا منهم ! لكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به وتعليما لما يفعل المؤمن وحثا عليه فقال : مِمَّنْ أَسْلَمَ أي أعطى . ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء ، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال : وَجْهَهُ أي قياده ، أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهه ، أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها لِلَّهِ فلا حركة له ولا سكنة إلا فيما يرضاه ، لكونه الواحد الذي لا مثل له ، فهو حصر بغير صيغة الحصر ، فأفاد فساد طريق من لفت وجهه نحو سواه باستعانة أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم ، ويرون أنها موجبة لثوابهم ، والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم ، في الحقيقة لا يرجون إلا أنفسهم ، ولا يخافون غيرها ؛ وأهل السنة فوّضوا التدبير والتكوين والخلق إلى الحق ، فهم المسلمون . ولما عبر تعالى عن كمال الاعتقاد بالماضي ، شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله : وَهُوَ أي والحال أنه مُحْسِنٌ أي مؤمن مراقب ، لا غفلة عنده أصلا ، بل الإحسان صفة له راسخة ، لأنه يعبد اللّه كأنه يراه ، فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره . ولما كان هذا ينتظم من كان على دين أي نبي كان قبل نسخه ، قيده بقوله : وَاتَّبَعَ أي بجهد منه مِلَّةَ إِبْراهِيمَ الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى اللّه سبحانه وتعالى وحده ، وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها حال كون ذلك المتبع حَنِيفاً أي لينا سهلا ميّالا مع الدليل ، والملة : ما دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم من كمال الإسلام بالتوحيد . ولما كان التقدير ترغيبا في هذا الاتباع : فقد جعل اللّه سبحانه وتعالى ملة إبراهيم أحسن الملل ، وخلقه يوم خلقه حنيفا ، عطف عليه قوله : وَاتَّخَذَ اللَّهُ أي الملك الأعظم أخذ من هو معين بذلك مجتهد فيه إِبْراهِيمَ خَلِيلًا * لكونه كان حنيفا ،