ابراهيم بن عمر البقاعي
315
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما نهى عن نصرة الخائن وحذر منها ، ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفا على ما تقديره : فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد اللّه عليما حكيما - : وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي قبيحا متعديا يسوء غيره شرعا ، عمدا - كما فعل طعمة - أو غير عمد أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ بما لا يتعداه إلى غيره شركا كان أو غيره ، أو بالرضى لها بما غيره أعلى منه ، ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما يضرها في الحاضر ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه بالتوبة بشروطها يَجِدِ اللَّهَ أي الجامع لكل كمال غَفُوراً أي ممحيّا للزلات رَحِيماً * أي مبالغا في إكرام من يقبل إليه « من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة » « 1 » روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي اللّه تعالى عنه وأبو يعلى الموصلي عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أن هذه الآية نسخت مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] وأنها نزلت بعدها « 2 » . ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها ، بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه ، حثا على التوبة وتهييجا إليها لما جبل عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضرر عنها فقال : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً أي إثم كان فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ لأن وباله راجع عليه إذ اللّه له بالمرصاد ، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه ، والكسب : فعل ما يجر نفعا أو يدفع ضرا .
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 7537 و 7405 وفي الأدب المفرد 552 ومسلم 2620 و 2675 وأبو داود 4090 والترمذي 3603 وابن ماجة 3822 والبغوي 1252 و 3592 والطيالسي 2387 وابن حبان 328 و 376 والحميدي 1149 وأحمد 2 / 248 و 376 و 509 كلهم من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة . وصدره عند بعضهم : « قال اللّه تبارك وتعالى : إذا تقرب عبدي مني شبرا . . . » ورواية : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري . . . » . - وورد من حديث أنس أخرجه البخاري 7536 والطيالسي 2012 وعبد الرزاق 20575 وأبو يعلى 3180 وأحمد 3 / 130 و 272 . ( 2 ) قال السيوطي في الدر المنثور 2 / 388 ( النساء : 113 ) : وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن أبي الدرداء قال : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا جلس وجلسنا حوله ، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما يكون عليه وأنه قدم فترك نعليه فأخذت ركوة من ماء فاتبعنه فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته فقال : « إنه أتاني آت من ربي فقال : إنه مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً » فأردت أن أبشر أصحابي . قال أبو الدرداء : وكانت قد شقت على الناس التي قبلها مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [ النساء : 123 ] فقلت : يا رسول اللّه وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر اللّه له ؟ قال : نعم قلت الثانية . . . قال نعم . قلت الثالثة . . . قال : نعم رغم أنف عويمر »