ابراهيم بن عمر البقاعي
306
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وميل في أَنْ تَقْصُرُوا ولما كان القصر خاصا ببعض الصلوات ، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال : مِنَ الصَّلاةِ أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم ، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات ، وكم يقصر منها من ركعة ، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلا في صلاة الخوف بقول عمر رضي اللّه تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له : كيف تقصر وقد أمنا - : عجبت مما عجبت منه فسألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك - ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « صدقة تصدق اللّه بها عليكم ، فاقبلوا صدقته » « 1 » وهذا هو حقيقة القصر والذي دلت عليه « من » ، وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة الخوف فإبدال لا قصر ، والسياق كما ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها ، وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء ، وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا تسقط الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما ، فهذا سر قوله : إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ أي يخالطكم مخالطة مزعجة الَّذِينَ كَفَرُوا لا أنه شرط في القصر ، كما بينت نفي شرطيته السنة ، والحاصل أن هذا الشرط ذكر لهذا المقصد ، لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة ؛ وقد كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين ، فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة ؛ روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فلما قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المدينة أقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر » « 2 » . ولما ذكر الخوف منهم ، علله مشيرا بالإظهار موضع الإضمار ، وباسم الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما ، أعرق فيه ، أو إلى أن المجبول على العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته عليه فقال : إِنَّ الْكافِرِينَ أي الراسخين منهم في الكفر كانُوا أي جبلة وطبعا . ولعله أشار إلى أنهم مغلوبون بقوله : لَكُمْ دون عليكم عَدُوًّا ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال : مُبِيناً أي ظاهر العداوة ، يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلا ، فربما وجدوا الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها ، ولولا أنها لا رخصة
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 686 وأبو داود 1199 و 1200 والترمذي 3034 والنسائي 3 / 116 - 117 وابن ماجة 1065 والدارمي 1 / 354 والطبري 10312 وابن حبان 2739 و 2741 والبغوي 1024 وابن خزيمة 945 وأحمد 1 / 25 كلهم من حديث عمر بن الخطاب . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 350 و 1090 و 3935 ومسلم 685 وأبو داود 1198 والنسائي 1 / 225 - 226 والدارمي 1 / 355 وابن حبان 2736 و 2738 والبيهقي 3 / 143 وأحمد 6 / 234 و 272 كلهم من حديث عائشة بألفاظ متقاربة .